كرة الحكومة تعود للحريري.. وتوقع التكليف مطلع الأسبوع

المراوحة حكوميا مستمرة، لكن الآمال التي عُلقت على الافراج عن استشارات تكليف من يشكل الحكومة المنتظرة لم تخب، والقبول الضمني للرئيس ميشال عون بتكليف سمير الخطيب بتشكيل الحكومة تبدّل، بعد رفض حزب الله لهذا الخيار، رغم مواصفاته السياسية والاعمارية الملائمة، كما سبق للحزب ان وضع الفيتو على مرشحين آخرين، مُصرا على ان تكون الحكومة برئاسة سعد الحريري وبشروط الحزب وحلفائه المرفوضة من رئيس حكومة تصريف الاعمال والمقبولة نسبيا من الاوروبيين ومن الجامعة العربية كما يبدو.

الخطيب التقى الرئيس الحريري مساء الاربعاء في بيت الوسط وكلاهما على الصعيد الشخصي صديق، لكن لم يصدر عن اللقاء ما يوحي بالتقدم.. ما عنى العودة بالاستشارات النيابية الى دائرة التريث بضعة ايام اضافية.

رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري مستقبلا نائب الأمين العام لجامعة الدول العربية حسام زكي في بيت الوسط	(محمود الطويل)

في الاثناء، تابع رئيس مجلس النواب نبيه بري حملته على الرئيس سعد الحريري محملا اياه مسؤولية الكثير ما يحصل، ونقل عنه قوله للنواب «استروا على ما سمعتموه منا»، ثم تابع قائلا «ان بهيج طبّارة اتفق عليه ثم ظلم، وسمير الخطيب زارني في عين التينة قائلا انا صحبة مع الحريري، فأجبته: هذا الكلام لا ينفع، روح تفاهم معه».

وكرر بري ان حركة امل وحزب الله قدما «لبن العصفور» للحريري ليرأس الحكومة، وتمت الموافقة على صيغة حكومية من 20 وزيرا بينهم 6 سياسيين على رأسها الحريري مقابل 14 وزير تكنوقراط يحملون الحقائب.

لكن للحريري شروطا لا يتقبلها حزب الله كما هو معروف، وفوق هذه الشروط ما تنامى عن تفاهم اميركي ـ بريطاني ـ فرنسي على تضييق الطوق الاقتصادي على حزب الله بمعزل عما قد يلحق بالشعب اللبناني، وهذا يبدو كافيا لوقف التردد الحاصل من جانبه، وبالتالي مبررا للقيام بزيارة باريس نهاية هذا الاسبوع لمتابعة التحضيرات للاجتماع المرتقب لمديري الشرق الاوسط في وزارات الخارجية الاميركية والبريطانية والفرنسية في باريس اوائل الشهر.

اما الشروط الحريرية للعودة الى الحكومة ـ بحسب المصادر المتابعة ـ تتلخص بما يلي: حكومة تكنوقراط من اختصاصيين تكون انتقالية من 6 الى 9 اشهر لهدفين: الاول وقف الانهيار المالي والاقتصادي عبر قرارات سريعة وصعبة ووضع قانون انتخاب جديد تمهيدا لانتخابات نيابية مبكرة، وهذا يستدعي منح هذه الحكومة صلاحيات استثنائية تشريعية لتسريع القرارات، وعدم المس بقائد الجيش العماد جوزف عون وبحاكم البنك المركزي رياض سلامة، وعدم قيام علاقات سياسية مع النظام السوري طالما ان عودة سورية الى الجامعة العربية لم تحسم.

لكن المصادر عينها اكدت لـ «الأنباء» ان الحريري لن يستطيع مقاومة الميول الاوروبية الى غض الطرف عن وجود حزب الله في حكومة جديدة يمثلها من خلال وزراء ليسوا منه انما من اختياره.

وكشفت المصادر عينها لـ«الأنباء» عن رسالة فرنسية رفيعة المصدر وصلت الى الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله تنطوي على تحذير من خطورة ما آلت اليه الاوضاع الاقتصادية في لبنان وانعكاس ذلك على حزبه وجمهوره، مما يفتح الباب امام البنك الدولي لوضع اليد على الاقتصاد اللبناني وعلى مقدرات البلد.

المصدر ـ وهو عضو في مجلس النواب اللبناني ـ ربط جولة مساعد الامين العام للجامعة العربية حسام زكي على الرؤساء والفعاليات السياسية في لبنان ناقلا رسالة شفهية من الامين العام احمد ابوالغيط بالحل الاوروبي ـ الاميركي لأزمة الحكومة اللبنانية.

من جانبه، أكد الرئيس اللبناني ميشال عون أن الوضع الراهن في لبنان لا يحتمل شروطا وشروطا مضادة، مطالبا الجميع بالعمل من أجل الخروج من الازمة الراهنة على نحو يحقق مصلحة اللبنانيين ويساهم في حل الاوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.

وقال عون، خلال استقباله السفير حسام زكي، انه «يواصل جهوده لتحقيق تفاهم حول الحكومة الجديدة».

وأشار إلى أنه «يؤيد غالبية المطالب التي رفعها الحراك الشعبي لأنه سبق أن قدم اقتراحات قوانين لتحقيقها ولاسيما ما يتصل منها بمكافحة الفساد وتفعيل الاصلاحات ومنع الهدر ورفع الحصانة عن المرتكبين وغيرها»، لافتا إلى أنه دعا المتظاهرين أكثر من مرة للحوار معهم وسيواصل مساعيه لإيجاد الحلول المناسبة للأزمة.

ولفت الرئيس عون إلى أن «الدعم العربي للبنان يجب أن يترجم في خطوات عملية لاسيما بالنسبة إلى المساعدات لمعالجة الوضع الاقتصادي المتردي والذي نتج في جانب منه بسبب تدفق النازحين السوريين إلى لبنان والذي بلغ عددهم مليونا و900 ألف نازح»، مشيرا إلى «عودة نحو 400 ألف نازح وبقي مليون و500 ألف نازح».

وأوضح ان المعالجات تتجه لتكليف الحريري بتشكيل الحكومة الجديدة، لكن لن يعلن اسمه كمرشح وحيد قبل موعد بدء الاستشارات تجنبا لحرقه، كما حل بالآخرين، ومثل هذا الموعد متوقع مطلع الاسبوع المقبل من حيث المبدأ.

وزير الخارجية جبران باسيل العائد من مؤتمر «التصدي للاضطهاد الديني» اعلن امس في مؤتمر صحافي عن مشروع قانون جديد لمكافحة الفساد سيتقدم به تكتله النيابي امام مجلس النواب، واصفا اياه بالأفعل والاسرع وانه سيفضح الفاسدين.

«الهيئات الاقتصادية» تعلّق الإضراب.. ومصادر: حزب الله يُصرّ على الحريري

يقول سعد الحريري في بيان انكفائه عن تشكيل الحكومة: «ليس انا بل احد آخر»، لكن يبدو ان حزب الله وحلفاءه مصرون على الحريري او لا احد، وهذا يفسر لعبة حرق الاسماء الجارية في موقد رئاسة مجلس الوزراء، بدليل عدم صدور الدعوة الرئاسية لإجراء الاستشارات النيابية الملزمة حتى عصر امس، ما يعني ان ثمة طرفا معينا لم يوافق على تسمية م ..سمير الخطيب بعد.

وواضح ان هذا الطرف هو حزب الله، لموقفه المغاير لموقف حليفه الوزير جبران باسيل الذي له اعتباراته التي في اساسها الاصرار على بقاء سعد الحريري على رأس الحكومة، وطبعا لهذا الاصرار بواعثه، ومنها وليس كلها: المحافظة على التسوية السياسية الرئاسية التي جاءت بالرئيس ميشال عون الى بعبدا واعطت السراي الكبير لسعد الحريري الذي يُنظر الى ابتعاده عن موقعه في رئاسة الحكومة ابتعادا عن التسوية التي سبق ان هجرها اثنان من اركانها هما وليد جنبلاط ود.سمير جعجع، وبانضمام الحريري الى هذا الثنائي تفقد التسوية، التي حزب الله عمود الخيمة فيها، توازنها وميثاقيتها، وهو ما يرفضه حزب الله ومعه حركة امل على الرغم من تمظهرهما بقبول اي مرشح يتبناه الحريري.

أنصار الرئيس اللبناني ميشال عون يرفعون صوره خلال تظاهرة في الحازمية امس الاول	(رويترز)

الى ذلك، يحلو للبعض رد تمسك الرئاسة وحزب الله بالحريري لرئاسة الحكومة الى عدم تمكينه من مغادرة السفينة وهي على هذه الحال.

ومن هنا ملاحظة عدم اهتمام الحزب وحلفائه بالاسماء المطروحة، وآخرها اسم م.سمير الخطيب المدير العام لاكبر الشركات الهندسية في العالم العربي وصاحب العلاقات العربية الواسعة، وبالتالي اصراره على ان يتولى شخصيا اعادة تشكيل الحكومة وبشروط الحزب اي تكنو-سياسية.

الخطيب اكد استعداده شرط التوافق عليه، واشار الى اتصالات جرت معه لكنه نفى ان يكون الرئيس سعد الحريري رشحه رسميا لهذا المنصب.

وكانت برزت اسماء اخرى بينها الوزيرة ريا الحسن ووليد علم الدين واسامة بكداش لمنصب رئاسة الحكومة.

في هذا الوقت، جدد اعلام التيار الوطني الحر التأكيد على ان الحكومة الجديدة لن تكون حكومة اللون الواحد، اي حكومة التيار وحزب الله وحلفائهما، بل حكومة تكنو- سياسية مع موافقة الحريري على الاسم الذي سيتم طرحه، بحيث تشكل هذه الموافقة اللون الآخر الكاسر لأحادية لونها السياسي الفاقع.

وتبرر اذاعة «المدى» الناطقة بلسان التيار ذلك بأن المرحلة تتطلب غطاء سياسيا، وتضيف ان الحكومة لن تكون حكومة مواجهة بالمطلق او مواجهة مع الحريري انما حكومة مواجهة مع الفساد.

رئيس مجلس النواب نبيه بري المؤيد لحكومة تكنوقراط سياسية متخوف مما سماه خطة حرق اسماء المرشحين السُنة المحتملين، وقال: هناك محاولة احراق لسمير الخطيب بعد احراق اسماء محمد الصفدي وبهيج طبارة ونواف سلام ورؤساء لجنة الرقابة على المصارف، وفي غمز من قناة سعد الحريري المتمسك بحكومة التكنوقراط استغرب بري كيف ان حكومة تصريف اعمال لا يدعو رئيسها لاجتماع طارئ.

على الارض الصدامات المتنقلة لم تتوقف، لا بل قاربت الخطوط الحمر في بعض المناطق، خصوصا بين عين الرمانة والشياح، حيث انطلقت الحرب الاهلية عام 1975، وفي طرابلس وبكفيا وبعلبك وصور، ما اوحى للحراك الثوري انه امام حملة مضادة من جانب تحالف حزب الله والتيار الوطني الحر وحركة امل في بعض المناطق، تظهّرت بمواكب الدراجات النارية والهتافات المستفزة المنطلقة من الشياح باتجاه عين الرمانة، وفي بعلبك حيث حاصر مناصرو حزب الله وحركة امل انصار الحراك الثوري في مكان اجتماعهم السلمي، وفي مدينة صور حيث احرق الثنائي الشيعي خيمة الحراكيين الثوريين، اما في بكفيا معقل حزب الكتائب فقد قرر التيار الوطني الحر القيام بعراضة بالسيارات في منطقة المتن مرورا ببكفيا، رافعين العلم البرتقالي، الامر الذي استفز اهالي البلدة وكتائبييها، فتصدوا للموكب مانعينه من الوصول الى مقصده وهو نُصب الشيخ بيار الجميل مؤسس الكتائب، في محاولة للرد الضمني على قيادة الكتائبيين لحركة الحراك الثوري عند محلة جسر جل الديب على الطريق الساحلي، وقد تدخلت قوة كثيفة من الجيش بالهراوات وامّنت لموكب التيار الوطني الحر طريقا فرعيا باتجاه بلدة بعبدات، من دون تمكينه من الوصول الى مقصده الاساسي، وكانت الحصيلة بضع اصابات بين الاهالي والجنود جراء الهراوات والحجارة.

وفي طرابلس، رفض الحراك الثوري رفع علم التيار الوطني الحر على شرفة مكتبه في الجميزات، والذي يعتبره الثوار خرقا لاحادية العلم اللبناني، فتدخلت قوة من الجيش لمنع الحراكيين من اقتحام مكتب التيار، وحصلت حالة فوضوية اقدم خلالها ملثمون ـ يقول شهود عيان انهم من خارج الحراك ـ على تحطيم واجهة متجر ظنوها فرعا لمصرف «سوسيتيه جنرال» المجاور للمكتب الى متاجر اخرى، كما القيت قنبلة يدوية على الجيش لم تنفجر، واصيب ثمانية جنود بالحجارة.

وفي مدينة صور، احرق غاضبون يرفعون اعلام حركة امل وحزب الله خيمة للحراك الثوري في ساحة الاعتصام، لكن سرعة تدخل الجيش حالت دون تدهور الامور.

وفي بعلبك، فقد احاطت عناصر حزبية من حزب الله وحركة امل بمقر اعتصام الحراك الثوري وهم يرفعون اعلامهم ويهتفون «شيعة.. شيعة»، واحتدم الموقف عندما اعترض الحراكيون وغالبيتهم من الشيعة على اقحام المذهب في هذا الموقف السياسي رافضين رفع اي علم غير العلم اللبناني فتدخل الجيش.

وعلى طريق القصر الجمهوري، استنفر التيار الوطني الحر فريقه لينظم تظاهرة مضادة لتظاهرة «حزب 7» والحراك الثوري على طريق القصر تحت عنوان رفض الكلام غير اللائق الذي اطلقوه ضد الرئيس ميشال عون، وهنا تدخلت قوى الامن الداخلي ووقفت بين الطرفين.
واعتبرت مصادر الحراك الثوري ان توزع الحملات ضد الثوار المطالبين بحق العيش ومحاربة الفساد بين حركة امل وحزب الله من جهة. من جانبها علقت الهيئات الاقتصادية الاضراب العام الذي كان مقررا له أن يبدأ اليوم وحتى السبت المقبل. إلا أن نقابة محطات البنزين دعت إلى إضراب مفتوح على مستوى البلاد يبدأ من اليوم.

الحريري يرفض تشكيل الحكومة.. وعون يبدأ الاستشارات غداً

واخيرا حسمها رئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري واعلن في بيان مفاجئ ظهر امس رفضه تشكيل الحكومة المقبلة، وقال: بعد 40 يوما على حراك اللبنانيين واللبنانيات، وقرابة الشهر على استقالة الحكومة استجابة لصرختهم العارمة، وافساحا في المجال لتحقيق مطالبهم المحقة، بات من الواضح ان ما هو اخطر من الازمة الوطنية الكبيرة والازمة الاقتصادية الحادة التي يمر بها بلدنا، وما يمنع البدء بالمعالجة الجدية لهاتين الازمتين المترابطتين، هي حالة الانكار المزمن الذي تم التعبير عنه في مناسبات عديدة طوال الاسابيع الماضية.

وتابع الحريري: وازاء هذه الحالة الخطيرة والمانعة لتفادي الاسوأ سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وامنيا لا سمح الله، وجدت انه من واجبي ان اصارح اللبنانيين واللبنانيات.

تشييع جثمان حسين شلهوب في بلدته طير فلسيه الجنوبية	(محمود الطويل)

واضاف: ان حالة الانكار المزمن بدت وكأنها تتخذ من مواقفي ومقترحاتي للحل ذريعة للاستمرار في تعنتها ومناوراتها ورفضها الاصغاء الى اصوات الناس ومطالبهم المحقة، فعندما اعلن عن استقالة الحكومة تجاوبا مع الناس ولفتح المجال للحلول، اجد من يصر اني استقلت لأسباب مجهولة.

ودافع الحريري عن موقفه المتمسك بحكومة تكنوقراط، فقال: عندما اعلن للملأ، في السر والعلن، انني لا ارى حلا للخروج من الازمة الاقتصادية الحادة الا بحكومة اخصائيين، وارشح من اراه مناسبا لتشكيلها، ثم اتبنى الترشيح تلو الآخر لمن من شأنه تشكيل حكومة تكنو- سياسية، اواجه بأنني اتصرف على قاعدة «انا او لا احد»، ثم على قاعدة «انا ولا احد»، علما ان كل اللبنانيين يعرفون من صاحب هذا الشعار قولا وممارسة.

واعتبر ان اسوأ الانكار هو ان من يعرفون كل هذه الوقائع مازالوا يتحججون تجاه الرأي العام بأنهم ينتظرون قرارا من سعد الحريري المتردد لتحميلي، زورا وبهتانا، مسؤولية تأخير تشكيل الحكومة الجديدة.

وتابع: اعلن للبنانيين واللبنانيات، انني متمسك بقاعدة «ليس انا، بل احد آخر» لتشكيل حكومة تحاكي طموحات الشباب والشابات والحضور المميز للمرأة اللبنانية التي تصدرت الصفوف.

وختم الحريري: كلي امل وثقة انه بعد اعلان قراري هذا، الصريح والقاطع، ان رئيس الجمهورية سيبادر فورا الى الدعوة للاستشارات النيابية الملزمة لتكليف رئيس جديد بتشكيل حكومة جديدة، متمنيا لمن سيتم اختياره التوفيق الكامل في مهمته.

واطلق موقف الحريري هذا يد الرئيس ميشال عون وحزب الله في البحث عن شخصية اسلامية سُنية قادرة على ارضاء كل الاطراف، وضمن اطار مهمة الانقاذ الاقتصادي، لتبدأ بورصة الاسماء بتداول المرشحين المحتملين لخلافة الحريري.

وكما توقع الحريري، نقلت «رويترز» عن مصادر في القصر الرئاسي في بعبدا امس ان الرئيس ميشال عون سيبدأ الاستشارات النيابية الملزمة لاختيار رئيس الوزراء يوم غد. وتشير مصادر المعلومات الى ان حزب الله يتواصل مباشرة مع بعض الشخصيات السُنية لاستمزاج رأيها بتشكيل الحكومة، مهتما بأن يكون رأس الحكومة من خارج فريق 8 آذار المتحالف معه حتى لا تكون الحكومة من لون واحد تبعا لانعكاسات ذلك على الموقف الدولي والاقليمي منها، وآخر من جرى استمزاجهم الوزير السابق بهيج طبارة الذي استمهل لدراسة الموقف، وما لبث ان اعتذر اثر لقائه سعد الحريري ثم نبيه بري.

كما طرح اسم شقيقه السفير السابق في واشنطن رياض طبارة الذي اعتذر هو الآخر.

وكان الرئيس ميشال عون طرح اسم النائب فؤاد مخزومي، لكن الثنائي الشيعي (امل وحزب الله) رفضا مفضلين شخصية من خارج البرلمان، ما يعني ان وزير الخارجية جبران باسيل لن يكون ضمن الحكومة العتيدة.

وسيتولى وزير شؤون رئاسة الجمهورية سليم جريصاتي تمثيل الرئيس ميشال عون في الحكومة، وهو ليس عضوا في مجلس النواب.

وترد المصادر المتابعة امساك حزب الله بزمام تشكيل الحكومة العتيدة الى الحذر من تراجع نفوذه داخل السلطة والدولة بعد الثورة الشعبية.

وفي معلومات «الأنباء» ان الاتجاه الآن نحو تكليف م.سمير الخطيب، المدير العام لشركة «خطيب وعلمي» الهندسية الواسعة النشاط في العالم العربي، وهو صديق للرئيس سعد الحريري ومقبول من مختلف الاطياف السياسية.

في هذه الاثناء، عاود الحراك الثوري مظاهراته أمس بعد ليلة عاصفة أخرى في بيروت وصور.

ووقعت اشتباكات بين المحتجين وأنصار حزب الله وحركة أمل الذين اقتحموا موقع الاعتصامات لليلة الثانية. وشوهدت مجموعات منظمة على دراجات نارية، بعضهم يرفعون أعلام حزب الله وحركة أمل، تجوب شوارع بيروت وذلك وفقا لتسجيلات فيديو بثتها وسائل إعلام لبنانية وروايات شهود، وتطورت إلى إطلاق نار كثيف في محيط جسر الكولا ببيروت خصوصا.

وفي صور، ذكرت وسائل إعلام لبنانية أن أنصار الحزبين اعتدوا على المعتصمين واحرقوا وازالوا خيامهم في مدينة صور في جنوب البلاد وأشعلوا فيها النيران مما دفع قوات الأمن للتدخل وإطلاق النار في الهواء.

وبعد انضمام الهيئات الاقتصادية الى التصعيد حتى حين تشكيل الحكومة، ايد تجار بيروت الدعوة للاضراب ابتداء من الغد من خلال مؤتمر صحافي عقده رئيس جمعيتهم نقولا شماس قال فيه: لقد صبرنا كثيرا، معتبرا ان اقتطاع نسبة من الودائع المصرفية مصيبة، واختفاء السيولة بالدولار قد يوصلنا الى اهتزاز الأمن الاقتصادي.

واقفلت العديد من المدارس وبعض الجامعات في المناطق انسجاما مع الاضراب العام الذي دعا اليه الحراك الثوري في وقت لم يغب الطيران الاسرائيلي الاستطلاعي عن اجواء لبنان.

بالفيديو.. لبنان: إضراب ثلاثة أيام.. وتوجّه لحكومة «ظل ثورية»

اربعون يوما من عمر الثورة الشعبية البيضاء في لبنان مضت، بعد ليلة من المواجهات المباشرة اول من امس والثانية بين المتظاهرين، المتسلحين بحناجرهم وبالأعلام اللبنانية وبين مجموعات تابعة ل‍حزب الله وحركة امل، اتوا لفتح جسر الرينغ يتقدمهم راكبو الدراجات النارية من ذوي القمصان السود متسلحين بالعصي الخشبية والحجارة.

وكانت «ليلة ليلاء»، كما وصفها احد الحراكيين، لخطورة ما جرى وما كان يمكن ان يجري، مع انفلات الهتافات الحزبية والفئوية من عقالها على وزن «الله ونصرالله وبري والضاحية كلها»، فيما حافظ المتظاهرون على ايقاع «ثورة.. ثورة» مصحوبا بالطرق على اعمدة الكهرباء بدلا من الطناجر لإحداث الجلبة وإسماع الصوت.

محتجون لبنانيون يحرقون الاطارات لقطع الطريق المؤدي الى مدينة طرابلس        (ا.ف.پ)

لكن تدخل الجيش والقوى الامنية وبالكثافة المناسبة وتشكيله جدارا عسكريا فاصلا بين من يريدون ابقاء الجسر الفاصل بين شرق بيروت وغربها مقفلا، وبين من يريدون فتحه تعبيرا عن رفضهم للثورة من الاساس، حال دون المخاطر التي كانت ماثلة بقوة حتى الساعة الرابعة من صباح امس، حيث حسم الجيش الامر بإبعاد الطرفين عن الجسر.

وكانت حصيلة كل ذلك وقوع عشر اصابات بالحجارة والعصي في صفوف الحراكيين وتحطيم نحو 30 سيارة في ساحة الشهداء والصيفي والشوارع المرتبطة بالجسر، وحصول عمليات سطو على بعض المتاجر الفاخرة المغلقة، في المقابل احرق المتظاهرون دراجة نارية لأحد مرتدي القمصان السود وجرى تحطيم عدد من الدراجات التي كان يمتطيها المهاجمون.

وقال مصدر امني ان كاميرات شركة سوليدير ـ مالكة الوسط التجاري ـ سجلت وقائع عمليات السطو والتخريب التي كان بين ضحاياها الاعلامية في قناة «ال.بي.سي» ديما صادق، حيث انتزع احدهم الهاتف الخليوي من يدها، فيما حوصرت الاعلامية في قناة «ام.تي.في» نوال بري مع فريق التصوير في احد المباني طوال فترة العراك، وقد تم فك الحصار عنها وعن رفاقها بواسطة امن رئاسة الحكومة.

وتعليقا على موقف حزب الله بعد احداث ليلة الاربعين للثورة، قال مصدر متابع: الغموض يصنع الهيبة، هذا الغموض في الموقف افتقده حزب الله بالهجوم على المتظاهرين فوق جسر الرئيس فؤاد شهاب (الرينغ)، لقد انكشفت كل الاوراق، حتى ان متظاهري الحزب امام السفارة الاميركية في عوكر طرحوا موضوع سلاح الحزب في الوقت الذي غاب هذا السلاح عن شعارات وادبيات وسياسات الحراك الثوري من قبيل التسليم بربط النزاع القائم بين الاطراف السياسية.

وماذا بعد في جعبة الثوريين عقب الاعتصامات والتظاهرات وقطع الطرق بإطارات المطاط المشتعلة؟ المصدر المتابع كشف لـ «الأنباء» عن توجه الحراك الى تشكيل حكومة ثورية لإدارة شؤون الحراك الشعبي حال عدم شروع رئيس الجمهورية ميشال عون بالاستشارات النيابية المُلزمة في فترة لا تتجاوز نهاية هذا الاسبوع.

وردا على سؤال عما اذا كان المقصود بالحكومة الثورية التمرد على السلطة الدستورية، قال المصدر: المقصود حكومة ظل، على غرار حكومة الظل الشبابية التي طرح فكرتها رئيس تحرير «النهار» جبران تويني قبل اغتياله، وقد صدر مرسوم بها عن مجلس الوزراء عام 2006 وشكلت منها اثنتان بين العامين 2007 و2008، وتألفت من طلاب جامعات واهل اختصاص، وحكومة الظل الثورية لن يكون لها رئيس، وستكون الناطقة بلسان الحراك والمفاوضة باسمه مع السلطة وكل الاطراف، حتى لا تبقى الطاسة ضائعة كما الحال الآن.

اما عن الحكومة العتيدة، فقد ذكرت صحيفة «الجمهورية» ان الرئيس سعد الحريري حسم امره بعدم ترؤس الحكومة المقبلة بسبب عدم التجاوب مع معايير التأليف التي وضعها لحكومة التكنوقراط التي يرفضها الرئيس عون وحزب الله، لأنها تستبعد «وزير العهد» جبران باسيل بالنسبة للرئيس عون وتخرج حزب الله من تحت غطاء السلطة التنفيذية بالنسبة للثاني.

واكد ظافر ناصر، امين السر العام للحزب التقدمي الاشتراكي، على المعطيات التي تشير الى خروج الحريري من السباق الى رئاسة مجلس الوزراء، لأن الواضح انه لن يتمكن من تشكيل حكومة دون الوزير جبران باسيل ودون حزب الله، اللذين يسيطران على اكثرية مجلس النواب.

تزامنا، التزمت معظم المدارس بالاضراب الذي نفذه الحراك الثوري، خصوصا في طرابلس والشمال، واقفل العديد من الطرقات في بيروت وجل الديب وصيدا وبصورة مؤقتة، واعتقل الجيش عددا من الشبان في جل الديب واقفلوا الطرق، ثم الافراج عنهم لاحقا، وقد تظاهر حراكيون امام ثكنة الجيش في صربا (جونيه) قبل الافراج عن هؤلاء، وقال احدهم: نحن هنا في لبنان ونرفض ان نعامل كما يجري الحال في سورية وايران، نرفض الصيف والشتاء على سطح واحد، اشارة الى عدم توقيف اي من الاشخاص الذين هاجموا المتظاهرين على جسر الرينغ وكسروا السيارات وواجهات المتاجر فضلا عن محاولة الدخول الى العمارات المقفلة الابواب.

ودعت الهيئات الاقتصادية بالإجماع، إلى الإضراب العام والإقفال التام لكل المؤسسات الخاصة على مساحة الوطن أيام الخميس والجمعة والسبت في 28 و29 و30 نوفمبر الجاري، مؤكدة أن تحركها التصعيدي «لن يهدأ حتى تشكيل الحكومة المطلوبة»، وهي ستعلن تباعا الخطوات التصعيدية التي ستنفذها خلال الفترة المقبلة.

وكانت الهيئات عقدت اجتماعا استثنائيا في مقر غرفة بيروت وجبل لبنان، برئاسة رئيسها الوزير محمد شقير، ومشاركة أعضاء الهيئات. وجرت خلال الاجتماع متابعة مختلف التطورات في البلاد لاسيما عدم تشكيل حكومة جديدة وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية.

مصير الحكومة اللبنانية مُعلّق على جدار المساومات الدولية

الأوضاع السياسية على حالها، لا جديد يوحي بالأمل، ولا بصيص ضوء يتيح الرجاء، الثورة البيضاء مستمرة ليليا، والتوترات يومية، والطريق مسدود بالمواقف المتعاكسة من طبيعة الحكومة المرجوة، تكنوقراط، ام تكنوسياسية، الامر الذي حفز القوى الدولية على التدخل، اميركا وبريطانيا وفرنسا من جهة وروسيا والصين من جهة ثانية، الثلاثي الغربي منتصر للحكومة التكنوقراط المستقلة عن الاحزاب التي ينادي بها رئيس الحكومة المستقيلة سعد الحريري المرجح اعادة تكليفه بتأليف الحكومة العتيدة، والثنائي الشرقي يقول قول الرئيس ميشال عون بحكومة تكنوسياسية.

ووسط ملهاة التكليف قبل التأليف، كما ينص الدستور، ويتشبث الحريري ومن خلفه الحراك الثوري بمختلف أطيافه، او التأليف قبل التكليف كما يرى الرئيس ميشال عون وحزب الله وفرقاء الممانعة، تزداد المخاطر المالية والمعيشية واخيرا الدوائية، فيما السلطة موزعة بين رئاسة لا تدعو للاستشارات النيابية من اجل تكليف من يشكل الحكومة، وحكومة تصريف اعمال تصرف الوقت بين الانتظار وردود الافعال.

محتجو الممانعة قرب السفارة الأميركية في بيروت	(محمود الطويل)

التدخل الدولي المتباعد في النظرة الى الوضع في لبنان سيتظهر اليوم من خلال جلسة مجلس الامن المخصصة لتقويم ما تم تنفيذه من القرار 1701، حيث ستكون الازمة الحكومية الطبق الرئيسي.

وسيلي ذلك لقاء ثان لمديري الشرق الاوسط في خارجية الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا في باريس في الاسبوع الاول من الشهر المقبل لاستكمال البحث بالازمة اللبنانية.

وقد استبق حزب الله هذا الحراك الدولي بتصريح لنائب امينه العام الشيخ نعيم قاسم حمّل فيه الولايات المتحدة وتصريحات سفيرها السابق في لبنان مسؤولية التأزم الحاصل في لبنان.

وهذا ايضا ما رآه السفير الروسي في لبنان ألكسندر زاسبكين في تصريح له امس، حيث شبه ما يحصل في لبنان بما يحصل من ثورات في العالم، لكنه اعتبر تحويل المطالب الشعبية ضد حزب الله من الامور الخطيرة جدا، مشيرا الى ان بلاده لا تقف الى جانب طرف في بيروت دون آخر، وستوقف في المرحلة المقبلة التعاون مع جميع الجهات.

وضع الازمة الحكومية اللبنانية تحت الضوء الدولي دفع برئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الى التغريد قائلا: حتى بعض السفراء الفاعلين، وبعض وزراء الخارجية، دخلوا على خط تشكيل الوزارة لزيادة التعقيد، الى جانب الطبقة السياسية الرافضة للتنازل والمتمسكة بالبقاء.

وأضاف: انه رأيي كمراقب مرت عليه تجربة المحكمة الدولية وتجاذب القوى آنذاك من حولها.

وأتبع جنبلاط تغريدته هذه بأخرى توضيحية، حيث قال: كي لا يزيد التنظير والتأويل حول ما قلته، اتمنى ان يتوافق السفراء والخبراء وكبار القوم على تشكيل الحكومة بسرعة، وكلهم، بلا استثناء، يؤيد استقرار لبنان وفق ما يقولونه.

عمليا، الحكومة اللبنانية معلقة على جدار المساومات الدولية، كما كان الحال عام 2009، حيث نشبت ازمة حكومية لم تجد الحل الا بعد التفاهم الاميركي ـ الايراني الذي ابصرت بعده حكومة سعد الحريري الاولى النور.

مصادر مقربة من الرئيس الحريري نقلت عنها قناة «ام.تي.في» القول: ان رئيس الجمهورية يحاول تغيير الدستور والالتفاف عليه بالممارسة وليس بالنص، علما ان تسمية الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة ليست مهمة رئيس الجمهورية، بل مهمة مجلس النواب.

وسارع المكتب الاعلامي للرئيس الحريري الى نفي القول بأن الرئيس ميشال عون يحاول تغيير الدستور، واعتبرت ان ما بثته هذه القناة يقع في خانة الاستنتاج والتأويل.

المكتب الاعلامي للرئيس الحريري اصدر بيانا تحدث فيه عن تلقي بعض المواطنين اتصالات عبر الواتساب من ارقام هاتفية خارجية وباللهجة العامية تدعوهم للقاء الرئيس سعد الحريري، كما وردت رسائل مماثلة للقاء الامين العام لتيار المستقبل احمد الحريري تدعوهم الى الاتصال به، وقال البيان ان هذه الرسائل مشبوهة وقد كلفت الاجهزة الامنية بتعقبها.

الى ذلك، طالت تظاهرة تضم مجموعة تنتمي الى احزاب محور الممانعة السفارة الاميركية في عوكر الواقعة الى الشمال الشرقي من بيروت، حيث رفعت شعارات معادية للولايات المتحدة وتدخلها في لبنان على خلفية تصريحات سفيرها السابق في بيروت جيفري فيلتمان «الذي يعمل على انتزاع حلفاء حزب الله المسيحيين منه بعدما فشل في نزع سلاح الحزب».

وتجمع المتظاهرون بعيدا عن السفارة التي احيطت بجدار من قوى الجيش والامن، وعمدوا الى احراق العلمين الاميركي والاسرائيلي.

وقد استمر الحراك في تظاهراته، حيث شمل امس مدن صيدا والنبطية والناعمة وزغرتا.

وكانت منطقة رأس بيروت التي تحتضن العائلات البيروتية العريقة خرجت الى الشوارع مساء السبت تعبيرا عن الدعم للحراك الشعبي الثوري في وسط بيروت وباقي المدن والمناطق اللبنانية.

وفي ساحة الشهداء، نصبت خيمة لـ «الاعلام الحر»، طالب الاعلاميون المعتصمون فيها بحرية الصحافة والاعلام وبنقابة بديلة عن نقابتي الصحافة والمحررين.

ساحة النور في طرابلس حافظت على زخمها وقد غصت ليلا بالحشود وسط الاغاني الوطنية والحماسية.

«الحراك» يرفع «القبضة الحديدية» ويركز على الاستشارات الحكومية

ما كان في سالف الزمان اللبناني لعيد الاستقلال احتفالان، بهذا التفاوت الخرافي، بين الاحتفال الرسمي المختصر، إلى درجة رفع العتب في وزارة الدفاع، والشعبي الواسع والمتدفق كالسيل، الذي نظمه الحراك الثوري على امتداد لبنان، حيث تحول مستقره في ساحة الشهداء في وسط بيروت الى بحيرة بشرية بأشكال وألوان وفئات المجتمع اللبناني، الذي توحد تحت راية علم الوطن، ربما لأول مرة، منذ قيام الاستقلال قبل 76 سنة.

لبنانيون مقيمون ومغتربون أتوا من أربع رياح الارض ليرفعوا «القبضة الحديدية» التي حلت محل «الخشية» التي أحرقت عشية الاحتفال، في وجه الطبقة السياسية الفاسدة والمستتبعة، هاتفين: «بسقوط حكم الازعر.. والشعب خط أحمر».

احتفال الثورة البيضاء الذي حجب الاحتفال في اليرزة، بما رافقه من ابتعاد الرؤساء ميشال عون ونبيه بري وسعد الحريري عن بعضهم، على الرغم من تقارب الكراسي، حيث كان الصمت سيد الموقف، مع الاختصار على المصافحة.. عمليا ما شهده وسط بيروت بامتداداته الشمالية خصوصا، جعل احتفال ثورة 17 اكتوبر، كما يستحسن الحراكيون تسميتها، اقرب الى كرنفال، مشت فيه أفواج من العسكر المتقاعدين الى الاطباء والمحامين والمهندسين والصيادلة ورجال الاعمال والفنانين من رسامين وموسيقيين وصولا الى حملة الطناجر، علّ قرقعتها توقظ النيام.

ولم يكن الاحتفال في طرابلس، أقل حرارة، لقد جمعت عاصمة الشمال نحو مائة ألف مواطن من الاقضية المجاورة في ساحة النور، ومثلها ساحة إيليا في صيدا، وتمثلت زروة الارادة بتظاهرة اهالي المتن وجبيل وكسروان التي انطلقت سيرا على الاقدام من نقطة «جل الديب»، رافعين الاعلام والشعارات والاهازيج الوطنية، وسط حضور لافت للمغتربين الذين اتوا من جميع البلاد في أوسع اقبال جماعي غير مسبوق، يعكس حجم تحسس من هجرتهم الطبقات السياسية المتوارثة، بمصاعب الوطن الذي لم يوفر لهم مقومات العيش فيه.

المطلب الاساسي للثائرين تمحور حول دعوة الرئيس عون الى بدء استشارات تكليف من يؤلف الحكومة العتيدة، من تقنيين اصحاب اختصاص ومستقلين.

ولوحظ بوضوح تفاؤل المناداة بشعار «كلهن يعني كلهن».. وقالت الناشطة المستقلة نايلة جعجع: «كلهن لا يعني كلهن» بل هناك استثناءات، يفرضها المنطق السليم.

كما ظهرت في الحراك وجهة نظر تقول باستحالة تمرير حكومة اختصاص مستقلة في مجلس نواب تسيطر عليه الاحزاب المطلوب ابعادها عن الحكومة العتيدة، ما يعني وجود فريق الحراك لا يمانع بحكومة تكنوقراط مطعمة سياسيا، وضمن شرط استبعاد الحزبين المستفزين لجمهور الثورة.

وتقول مصادر معنية لـ «الأنباء» ان من يكبر حجره لا يرمي، ومن هنا تركيز الضغط الشعبي على وجوب بدء الاستشارات النيابية من اجل تكليف من يتولى تشكيل الحكومة، لأن في هذا المطلب الدستوري يدحض معادلة التأليف قبل التكليف «المغايرة للدستور الذي يوجب على رئيس الجمهورية اجراء استشارات ملزمة بنتائجها، لتسمية من يشكل الحكومة».

لكن وزير الدفاع الياس بوصعب، الذي زار رئيس مجلس النواب نبيه بري وأقنعه بحضور العرض العسكري الرمزي في وزارة الدفاع بعد تردده، استياء مما حصل من تعطيل للجلسة التشريعية يوم الثلاثاء، قال ان الكرة في ملعب الرئيس سعد الحريري، إذ لا شيء يؤكد انه مستعد لتشكيل الحكومة.

وفي هذا السياق تقول قناة أو.تي.في الناطقة بلسان التيار الحر «ان التكليف سيطول، لأن رئيس البلاد يعمل على استيعاب التناقضات الداخلية عبر تأجيل اجراء الاستشارات الملزمة كي لا يأتي التكليف معرقلا للتأليف وسط الضغوط الخارجية على لبنان.

وفي كلام برسم الحريري قالت القناة العونية: الحرد لا ينفع، والمطلوب من حكومة تصريف الاعمال ان تتحمل مسؤولياتها عوض الاستقالة من المسؤولية ايضا.

وفي رد ضمني، قالت مصادر تيار المستقبل ان الامور بين الرؤساء الثلاثة مقفلة في الجانبين السياسي والشخصي تقريبا والأفق مسدود والحريري ليس مضطرا لترشيح وتغطية اي شخصية سياسية لرئاسة الحكومة.

نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، أكد امس ان حزبه لن ينجر إلى الفتنة. واضاف لوكالة رويترز ان الازمة الاقتصادية التي امتدت الى النظام المصرفي اصابت بيئة الحزب، التي تؤيد محاكمة المسؤولين الفاسدين كائنا من كانوا، وقال ان اميركا تريد حكومة شاكلتها، وبالتالي هي المعرقلة، ورد على تصريحات السفير الأميركي السابق فيلتمان حول لبنان، بالقول: انه يريد لبنان مساحة للمنافسة العالمية كي تكون لبلاده حصة.

عون في رسالة الاستقلال: الفساد بالداخل اللبناني يهدّد سائر مؤسسات الدولة

يحتفل لبنان بعيد استقلاله السادس والسبعين، وقد حولته الأحداث الداخلية، وامتداداتها الاقليمية، الى مجرد ذكرى عابرة، الا في ضمائر الاجيال الصاعدة التي خرجت من قمقم الرتابة، الى رحاب المواطنية الحقة، جارفة عبر حراكها الثوري المتأجج في الاسبوع الأول من شهره الثاني الكثير من الغشاوات عن وجوه الفساد السياسي المنقطع الضمير.

احتفالات العيد اليوم، بحجم الظروف السياسية القائمة، لا عرض عسكريا تقليديا في منطقة المرفأ، بل مجرد عرض رمزي في باحة وزارة الدفاع بحضور رئيس الجمهورية ميشال عون، ورئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة المستقيلة سعد الحريري، والوزراء والنواب والديبلوماسيين العرب والأجانب، واعتماد الرمزية في العرض العسكري بسبب واقع المكان، وانتشار الجيش في المدن والساحات حيث الحراك الشعبي وشعاراته الداعية الى محاربة الفساد واستعادة الاموال المنهوبة، ورفض القوانين المستشرعة لتهريب المرتكبين بدلا من القبض عليهم. وبالتالي لا استقبال رئاسيا في قصر بعبدا كما درجت العادة.

وقال الرئيس عون من بعبدا مساء امس إن الصفقات والتسويات التي تعد لمنطقتنا ومحاولات فرضها تهدد ليس فقط استقلال الدول المعنية بل أيضا كيانها ووجودها.

وأضاف عون في رسالته الى اللبنانيين في الذكرى الـ 76 للاستقلال: «ليست التسويات الدولية وحدها ما يهدد استقرار الدول، ففي الداخل اللبناني خطر محدق يتهدد مجتمعنا ومؤسساتنا واقتصادنا هو الفساد».

وأضاف الرئيس عون «مكافحة الفساد أضحت شعارا استهلاكيا يستحضر كلما دعت الحاجة، لاسيما من قبل الغارقين به، ولكن، عند أبسط إجراءات التنفيذ، تبدأ الخطوط الحمر المذهبية والطائفية بالظهور»، مشيرا إلى أن «معركة مكافحة الفساد قاسية، لا بل من أقسى المعارك، لذلك توجهت إليكم، أيها اللبنانيون، طالبا المساعدة، فلا أحد غيركم قادر على جعل كل الخطوط متاحة ولا أحد غيركم قادر على الضغط من أجل تنفيذ القوانين الموجودة، وتشريع ما يلزم من أجل استعادة الأموال المنهوبة وملاحقة الفاسدين».

وتابع «أكرر ندائي إلى المتظاهرين للاطلاع عن كثب على المطالب الفعلية لهم وسبل تنفيذها، لأن الحوار وحده هو الطريق الصحيح لحل الأزمات»، مشيرا إلى أن «التحركات الشعبية التي حصلت مؤخرا كسرت بعض المحرمات السابقة وأسقطت إلى حد ما المحميات، ودفعت بالقضاء الى التحرك، وحفزت السلطة التشريعية على إعطاء الأولوية لعدد من اقتراحات القوانين الخاصة بمكافحة الفساد»، مضيفا «إن تسليط الضوء على مكامن الفساد عبر الإعلام وفي الساحات صحي ومساعد، وكذلك تقديم المعلومات والوثائق المتوافرة إلى القضاء، ولكن أن يتحول الإعلام والشارع والجدل السياسي الى مدع ومدع عام وقاض وسجان في آن، فهذا أكثر ما يسيء إلى مسيرة مكافحة الفساد».

واعتبر أن «إطلاق الاتهامات العشوائية وإصدار الأحكام المبرمة والتعميم، قد تجرم بريئا، ولكنها بالتأكيد تجهل المرتكب الحقيقي وتسمح له بالإفلات، وأيضا بمتابعة نشاطه في الفساد»، متوجها إلى القضاة بالقول «إن المطلوب منكم اليوم أن تلتزموا قسمكم فتقوموا بواجبكم «بأمانة»، وأن تكونوا «القاضي الشريف الصاد»، فمكافحة الفساد، أينما بدأت، فإن حسن ختامها عندكم، والانتصار فيها رهن شجاعتكم ونزاهتكم».

وقال الرئيس عون «منذ العام 2017 أحلت تباعا على القضاء ما يزيد على 18 ملفا تتعلق بقضايا فساد ورشاوى في إدارات الدولة، وإلى اليوم لم يصدر أي حكم بأي منها، وإذا كانت العدالة المتأخرة ليست بعدالة، فإن التأخر في بت قضايا الفساد هو تشجيع غير مقصود للفساد»، مؤكدا «إننا نعول اليوم على التعيينات القضائية الأخيرة من أجل تفعيل دور القضاء وتحصين استقلاليته للوصول إلى سلطة قضائية مستقلة وشجاعة ومنزهة، تكون السيف القاطع في معركة القضاء على الفساد».

وأوضح أن «تأكيدنا على استقلال لبنان لا يعني خصومة مع أي دولة أو استعداء لأحد، إنما نحن نسعى إلى صداقة صادقة والتعاطي بإيجابية مع من يصادقنا، ولكن انطلاقا من قرارنا الحر وعلاقة الند للند، وقبول ما يلائم وطننا من مقترحات، ورفض ما يشكل ضررا له وإذا كانت السياسة فن الممكن، فهي أيضا رفض اللامقبول».

وحول تشكيل الحكومة المقبلة، أوضح عون أنه كان من المفترض أن تكون قد ولدت وباشرت عملها، مشيرا إلى أن «التناقضات في السياسة اللبنانية فرضت التأني لتلافي الأخطار، وأيضا للتوصل إلى حكومة تلبي ما أمكن من طموحات اللبنانيين، تكون على قدر كبير من الفعالية والإنتاجية والانتظام».

وأكد عون أن التحديات التي تواجه الحكومة القادمة «ضخمة، والاستحقاقات داهمة». ولفت الرئيس عون إلى ان «الاستقلال الناجز يكون عبر تحررنا من نزاعاتنا الطائفية والمذهبية، والبدء بالخطوات اللازمة لإرساء الدولة المدنية»، متوجها إلى العسكريين بالقول «كنتم ولا زلتم وستبقون درع الوطن، وحماة استقلاله وسياج وحدته، وأصعب المهمات التي قد تواجه عسكريا هي المهمات الداخلية كما هو حاصل معكم اليوم، عليكم أن تحموا حرية المواطن الذي يريد التعبير عن رأيه بالتظاهر، وأن تحموا أيضا حرية التنقل للمواطن الذي يريد أن يذهب الى عمله أو الى منزله، ونجاحكم في هذه المهمة الدقيقة هو ميزان ثقة المواطنين بكم، والثقة غالية لا تعوض».

وتلقى الرئيس عون امس رسالة تهنئة من الرئيس الاميركي دونالد ترامب بمناسبة الاستقلال، مبديا الاستعداد للعمل مع حكومة لبنانية جديدة تستجيب لحاجات اللبنانيين في بناء بلد مستقر مزدهر وآمن.

الرئيس الحريري تحدث في اجتماع كتلته عن العراقيل المانعة من تأليف حكومة التكنوقراط وقال ان الامور تدور حول نفسها، وانه ليس في وارد تشكيل حكومة تكنوسياسية كما يريدون، متمنيا ان تؤلف حكومة حتى من دون رئاسة.

وكشف الحريري انه عرض على الفريق آخر تشكيل حكومة اختصاصيين لستة اشهر فقط، وبعدها يشكلون الحكومة التي يريدون، وخلال الستة اشهر اسعى إلى تدارك الازمة الاقتصادية، وسأجول حول العالم ساعيا للحصول على مساعدات وقروض، الى جانب اقرار قانون انتخابي جديد انطلاقا من اقتراع القانون المقدم من الرئيس نبيه بري.

وتقول صحيفة «اللواء» المستقلة، ان الحريري كرر القول انه ليس من الصنف الذي تملى عليه آراؤه من الداخل او الخارج، متحدثا عن العراقيل التي وصفها وزراء التيار الحر في الحكومة المستقيلة والتي ادت الى تأخير فرصة الحصول على قروض «سيدر» المقدرة بـ 11 مليار دولار.

وعن اختيار محمد الصفدي لرئاسة الحكومة قال انه عرض ثلاثة اسماء بينها سفير لبنان السابق في الامم المتحدة نواف سلام، لكن حزب الله وأمل رفضاه، لذلك عدنا الى خيار الصفدي الذي اقترحه جبران باسيل، وقال: مشكلتي في الحكومة مع جبران باسيل وليس مع الرئيس ميشال عون.

في هذا السياق، قال رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط: «لقد نصحت الحريري بعد الاستقالة اكثر من مرة بعدم ترؤس الحكومة المقبلة، فليحكموا حتى من لون واحد». نافيا ان يكون حزب الله ضغط عليه، اي على جنبلاط، للبقاء في الحكومة.
وأضاف: لو كنت مكان الحريري لوقفت متفرجا، لقد قلت له إياك والصفدي.

وفي حديث لقناة «ام.تي.في» وردا على سؤال عن رأيه بالخطاب الأخير للرئيس عون أجاب: انتهى العهد في الشارع، انتهت الجمهورية الثانية، انتهى الطائف.

الى ذلك، كان لكلام السفير الاميركي السابق في بيروت جيفري فيلتمان امام الكونغرس «وقع صادم» في لبنان، بحسب اذاعة «صوت المدى» الناطقة بلسان التيار الوطني الحر، وذلك بإقراره أمام الكونغرس الاميركي بأن هناك تقاطعا بين التحركات الشعبية في لبنان واهداف السياسة الاميركية في هذا البلد، وقوله ان حزب الله القوي والقادر يستهدف عبر حلفائه، اي عبر رئاسة الجمهورية والتيار الوطني الحر.

في غضون ذلك يقيم العسكريون المتقاعدون في الحراك الشعبي «عرضا مدنيا» في ساحة الشهداء بعد ظهر اليوم الجمعة، احتفاء بالاستقلال، وتحت شعار: كلنا للوطن.

الفريق الرئاسي يبحث عن فتوى دستورية لإعلان «الطوارئ» وحكومة عسكرية

الطرق الحكومية مقفلة بإحكام، الرئيس ميشال عون يقرأ بعكس قراءة الرئيس سعد الحريري للامور، وقراءة الحراك الشعبي عكسهما ايضا، ويخشى مع الوصول الى الجدار المسدود اللجوء الى فجوات تفضي الى مهوار اعمق، كمثل ما تشير معلومات لـ «الأنباء» بأن الفريق الرئاسي بدأ البحث في طيات الدستور عن حالة تسمح لرئيس الجمهورية بإعلان حالة الطوارئ احتواء للاوضاع الميدانية القائمة او التي يمكن ان تقوم على ان يُستتبع ذلك بتشكيل حكومة عسكرية برئاسة قائد الجيش العماد جوزف عون تتألف من ستة ضباط على غرار الحكومة العسكرية التي شكلها الرئيس عون يوم كان قائدا للجيش وتسلمت الزمام في نهاية ولاية الرئيس امين الجميل.

متظاهرون معتصمون اماماحد مداخل مجلس النواب المقفل بالاسلاك الشائكة	(محمود الطويل)

المراجع التي تلقت اشارات بهذا المعنى اكدت اطمئنانها الى اختيار قائد الجيش العماد جوزف عون لهذه المهمات، لكنها توقفت امام مضمون هذا المسار الذي يعني عمليا الاطاحة بدستور الطائف، وهذا له محاذيره.

وكان الرئيس عون وجه انذارا اخيرا الى الرئيس الحريري، داعيا اياه الى تشكيل حكومة سياسية مطعمة باختصاصيين يتمثل فيها الحراك الشعبي والا ستشكل حكومة من اللون الاكثري الواحد، وفق قناة «او.تي.في»، وان حكومة جديدة يشكلها الحريري يجب ان تضم جبران باسيل.

وينتظر ان يتوصل التيار الوطني الحر وحزب الله وحركة امل الى بلورة موقف متجانس من الحكومة بعد الاحتفال بعيد الاستقلال الذي سيكون رمزيا في باحة وزارة الدفاع لهذه السنة، يوم غد الجمعة، وقد تلقى الرئيس سعد الحريري الدعوة لحضوره الى جانب الرئيسين ميشال عون ونبيه بري.

رئيس مجلس النواب السابق حسين الحسيني اعتبر الحكم القائم في لبنان الآن خارج الشرعية، وهناك اشخاص خلقوا حالة اغتصاب للسلطة، لذلك من الطبيعي ان تكون هناك ثورة.

واضاف لقناة «ام.تي.في»: النظام الجمهوري يفترض ان تكون الحكومة فيه خط الدفاع الاول عن النظام وعن استمرارية الكيان، ويكون رئيس الدولة خط الدفاع الثاني، لكن عندما يوزر الرئيس صهره فيكون دمج خط الدفاع الاول بالثاني واضعفهما.

كل هذه المستجدات املت على الرئيس الحريري دعوة كتلة المستقبل النيابية الى اجتماع استثنائي عصر امس.

وكان الحراك الشعبي اطاح بالجلسة التشريعية يوم الثلاثاء الماضي، مكرّسا سلسلة حقائق سياسية لم يعد بوسع السلطات الرسمية تجاوزها او عدم اخذها بعين الاعتبار، واولى هذه الحقائق ان الشعب هو سيد نفسه وليس مجلس النواب الذي فشل في اثبات سيادته الذاتية مرتين في غضون اسبوعين، وهذا الشعب المتمثل بالحراك الثائر هو من اجبر الحكومة على الاستقالة، ومن ألزم النواب برفع السرية عن حساباتهم المصرفية، ولئن حصل ذلك بعدما جرى تهريب اموال منذ 16 اكتوبر الماضي تفوق التخيلات.

ولا شك ان ما حصل امس وقبله اظهرت حجم ضمور سلطة الرئاسة الاولى والثانية، وبصرف النظر عن تبادل الملامات، احدهما يرى انه كان حريا بالآخر تأجيل الجلسة استباقا لانكشاف الضعف امام الحراك الشعبي، والآخر ينسب الى الأول مساهمته الضمنية في مقاطعة الجلسة التشريعية رغم اعلان العزم على المشاركة في الشطر الاول من الجلسة المخصصة لانتخاب اللجان النيابية، بيد ان الطرفين ـ اي الفريق الرئاسي وفريق رئاسة مجلس النواب ـ التقيا على تحويل الملامة الى قيادة الجيش «التي لم تؤمن امن المداخل الى مجلس النواب».

ويبدو ان لدى رئيس مجلس النواب نبيه بري شكوكا بأن ثمة لعبة يلعبها التيار الوطني الحر لم تتضح معالمها، وربما المقصود ما يحكى عن تأليف حكومة طوارئ عسكرية، وينقل زوار بري عنه امس ان الجمود السلبي هو المتحكم بالمسار الحكومي، وان الأمور اصبحت اكثر صعوبة، وقال ان هناك جهات نكثت بما وعدت، ورب ضارة نافعة، وبعد اعتبار اللجان النيابية قائمة صار بالامكان البدء بدراسة الموازنة العامة.

واقع الحال ان الحراك الشعبي او الانتفاضة او الحراك الثوري بات سلطة خامسة في لبنان بعد التشريعية والتنفيذية والقضائية والاعلامية، بدليل قدرته على شلّ باقي السلطات مجتمعة، ومن هنا بات اركانه يتحسبون لما هو آت، كالحديث عن دخول «الدواعش» على خط الحراك وان بين «المتحركين» سوريين وفلسطينيين، ومثل هذه الاخبار اشبه بالذخائر الاحتياطية يلجأ اليها من جانب من اعيتهم السبل السياسية عبر مواقع التواصل الاجتماعي الجاهزة للتفاعل بعشوائية مدمرة.

ومن الرسائل «المشفرة» للحراك خبر نشرته «النهار» البيروتية عن تجهيز حزب الله قوة خاصة لفتح الطرق الحيوية بالنسبة للحزب الى الجنوب والبقاع، في مثل هذا رسالة مزدوجة: الى الحراك كما الى الجيش، الذي لا يخفي الحزب عدم ارتياحه لطريقة تعامله مع الحراك، ما يوحي بالتمهيد لتحرك مضاد.

ويسأل النائب القواتي ادي ابي اللمع عما اذا كان المطلوب ضرب المتظاهرين ام تسيير الامور بالشكل الملائم.

«الحراك» يُفشِل الخطة الأمنية.. ويُطيِّر جلسة «النواب» للمرة الثانية

«يوم الغضب» الذي أعلنه الحراك الثوري امس حقق غرضه، وطارت الجلسة التشريعية التي دعا رئيس المجلس نبيه بري لعقدها بأجنحة النصاب الذي احبطه الحزام البشري الذي ضربه الثوار حول مداخل ساحة النجمة، حيث يوجد مبنى مجلس النواب، واقاموا حواجز تفتيش بالنظر لسيارات الاسعاف والشرطة تحسبا لنقل النواب بهذه الطريقة، على ان اثنين من النواب الذين تسنى لهم الوصول، وهم بعدد اصابع اليد الواحدة، هما عضو كتلة الوفاء للمقاومة علي عمار وعضو حركة امل النائب محمد خواجة، اضطرا لاستخدام الدراجات النارية، جالسين خلف سائقها، وقد اعتمر النائب خواجة قبعة راكبي الدراجات للمزيد من التمويه.

وكان الانطباع بداية ان الحراك لن يستطيع اطاحة الجلسة التشريعية مرة ثانية كما حصل قبل اسبوع، تبعا لحجم الحشد العسكري والامني المنتشر في منطقة البرلمان، والمزود بالعوائق الحديدية والاسلاك الشائكة، وقد توزعت القوى المزودة بالعصي على صورة خطوط متتالية، الاسلاك والعوائق اولا وخلفها قوات مكافحة الشغب الامنية وخلف هذه القوات تمركز الجيش الذي فضل ان يتولى الامن الداخلي مواجهة المتظاهرين الذين قابلوا هذا التموضع بوضع النساء والفتيات في الخط الامامي وخلفهم الرجال تجنبا للصدام مع الامن، وهكذا لم تحصل مصادمات خطيرة، انما مجرد عراك حول بعض المنافذ، اضافة الى اطلاق النار في الهواء من جانب احد مرافقي نائب من اثنين: علي حسن خليل (وزير المال) وسليم جريصاتي (وزير شؤون رئاسة الجمهورية)، مع العلم ان كلا الرجلين نفيا ان يكون مرافق احدهما هو من اطلق رشقات نارية من نافذة سيارته لابعاد متظاهرين هبوا للانقضاض على سيارته.

وكان رئيس المجلس نبيه بري وصل الى مكتبه قبل السادسة صباحا وكذلك النائب ابراهيم كنعان، وقد ظن المتظاهرون ان السيارة التي اطلقت النار من موكب الوزير جبران باسيل، فارتفع الهتاف لسقوط «حكم الازعر» وان «الشعب يريد اسقاط النظام» مصحوبا بالقرع على الطناجر و«الدربكات»، وسرعان ما هدأ الصخب بعدما تبين ان الوزير باسيل لم يكن في وارد الحضور اصلا.

وكان نواب تيار المستقبل والرئيس نجيب ميقاتي ابدوا عزمهم حضور الشطر الاول من الجلسة المخصص لانتخاب اعضاء اللجان النيابية ورؤسائها، على ان ينسحبوا قبل انتقال المجلس الى تشريع البنود الأخرى وضمنها قانون العفو الذي ينطوي على نصوص مشكوك بشرعيتها كالعفو عن المطلوبين للعدالة وليس المحكومين وحسب، اي الذين لم يحاكموا ولم تصدر بحقهم احكام، ولكن بعدما بدا متعذرا الوصول الى المجلس اعلنوا مقاطعة الجلسة.

ووصف ناشطون الطبقة الحاكمة بـ «المافيا السياسية الفاسدة والتحالف مع بعض الامن وبعض القضاء غير المستقل».

ولوحظ غياب نواب الكتل القريبة من سورية عن المشهد الذي كسر فيه الحراك الثوري الكثير من القواعد السائدة، كنواب القومي السوري وتيار المردة واللقاء التشاوري السُني، وقد رد ذلك الى التصريح الاخير للرئيس السوري بشار الاسد والذي نوه فيه بأداء الحراك الشعبي في لبنان.

احد الحراكيين البارزين العميد المتقاعد جورج نادر شوهد، بعد تأجيل الجلسة النيابية وانفضاض الحراك، امام مجلس النواب، وبسؤاله قال: جئت اقول للنواب ان النائب الذي يمتطي الدراجة ويهرب، والنائب الذي يتنقل بسيارة تاكسي، والنائب الذي يطلق النار على الناس من خوفه، كان عليه ان يخاف من ناخبيه الذين سقطت شرعيته عندهم.

وتوجه الى مجلس النواب بالقول: نحن لم نسقط شرعيتك، شرعيتك انت فقدتها، ولا يمكنك استعادتها الا بعد تشريعك مطالب الناس الذين مضى على وجودهم في الشارع شهرا وخمسة ايام، شرعيتك عندما تسمي رئيسا للحكومة نزيها ونظيفا وليس من هذه الطبقة الحاكمة، عليكم الاتيان بحكومة تكنوقراط واجراء انتخابات نيابية مبكرة، ولن نخرج من الشارع.

وقال احد المتظاهرين الآتين من البقاع: عندما تصبح مياه نهر الليطاني الملوث صالحة للشرب تصبح الطبقة السياسية اللبنانية صالحة للحكم.

والسؤال الذي طرح نفسه بعد هذه التسديدة التعطيلية للحراك الثوري في مرمى الطبقة الحاكمة على ملعب مجلس النواب، كما قال احد نواب حركة امل في دردشة مع «الأنباء»: نحن الآن اشبه بملاكمين، يدوران حول حلبة الملاكمة، وبالتالي الملاكمة لم تبدأ بعد.

واي نوع من الملاكمة يتوقع؟ قال: الملاكمة بالدولار والسلاح الاقتصادي. حكوميا، لا موعد للاستشارات النيابية الملزمة، وتقول مصادر بعبدا ان الملف الحكومي يحتاج الى وقت اطول، فالصورة مازالت غامضة حول اسم الشخصية التي سيؤول اليها التكليف بتشكيل الحكومة، ويبدو ان حماسة الفريق الرئاسي لتكليف سعد الحريري خفّت بعد الملابسات التي احاطت بترشيح محمد الصفدي قبل انسحابه تحت ضغط ملفات الصفقات التي فتحت في وجهه، الى درجة اعلان النائب حكمت ديب عضو كتلة التيار الوطني الحر انه لن يعطي الثقة للحريري، حتى لو قرر تكتله ترشيحه، متهما الحريري ـ عبر قناة «الجديد» ـ بالفساد ونكران الجميل، بنسيانه موقف الرئيس ميشال عون ابان ازمة استقالته من الرياض.

وقد رد عليه النائب «المستقبلي» السابق مصطفى علوش، من المنبر نفسه، واصفا كلام ديب بالتافه، مستغربا كيف يعقد الرئيس عون صفقة سياسية مع فاسد؟! ولوحظ ان اكثر من مهيأ لتشكيل الحكومة جرت مفاتحته بالتكليف، اعتذر عن القبول، ليس احتراما لمشاعر الناس او وفاء للحريري، انما لوجود ملفات فساد في سجله السياسي يخشى ان يفتحها الحراك الشعبي في وجهه كما حصل مع الصفدي.

وأمس، عقد اجتماع مهم في العاصمة الفرنسية باريس بين مساعد وزير الخارجية الاميركي لشؤون الشرق الاوسط ديفيد شنكر ونظرائه في الخارجيتين الفرنسية والبريطانية للبحث في اوضاع المنطقة وخصوصا لبنان، حيث الوضع يزداد تأزما، حيث يعتقد الغربيون ان لبنان بحاجة لدعم فرنسا.

ويبدو ان ثمة من يتريث في تحريك الملف الحكومي للوقوف على ما سيتقرر في اجتماع المسؤولين عن ملفات الشرق الاوسط ولبنان في واشنطن ولندن وباريس.

لكن هذا التريث لم يخفف من حملة اعلام التيار الوطني الحر على الرئيس سعد الحريري الذي اتهمته اذاعة «صوت المدى» الناطقة بلسان التيار بـ «الانقلاب على الاتفاق الذي أُبرم مع الوزير السابق محمد الصفدي».

الحراك بمواجهة «الجلسة التشريعية» .. وبري يحذّر: «السفينة تغرق»

المشهد اللبناني اليوم الثلاثاء حمّال مخاطر، هناك جلسة تشريعية لمجلس النواب يُصر عليها حزب الله والتيار الوطني الحر وحركة امل لاقرار ما يعتبرونه قوانين الضرورة، وأهمها قانون العفو العام، المرفوض من الاطراف الاخرى، وفي طليعتهم الحراك الثوري الذي يعتبر نفسه مستهدفا من مثلث هكذا قانون، مدعوما من الكتل النيابية الاخرى التي ترفض التشريع النيابي في ظل حكومة مستقيلة من حيث المبدأ، وضمن دورة نيابية عادية لا يجوز ان يتقدم فيها اي تشريع قبل اقرار الموازنة العامة.

ساحة رياض الصلح امام السراي الحكومي وسط بيروت	 (محمود الطويل)

وواضح للحراك الثوري ان قانون العفو المطروح مشوب بالسياسة وعدم الوضوح، وربما عدم الانصاف، فهو يشمل تجار وزراع المخدرات، ويستثني كل من اطلق النار على الجيش والامن ومارس الارهاب بأي شكل من الاشكال، والمقصود هنا الموقوفون الاسلاميون الذين قد يكون بينهم ايضا العشرات ممن جرى توقيفهم منذ سنوات بلا محاكمة، لمجرد وجود اسم احدهم على هاتف متهم آخر او صورة له معه أو في «وثيقة اتصال» من وثائق الاتصال الموروثة عن مرحلة الوصاية السورية التي تعتقل على الظن أو الشبهة أو «على الريحة» كما يقول احدهم.

ويقول مصدر معني لـ «الأنباء» ان اقرار قانون عفو بهذه المواصفات اليوم سيحدث شرخا في جدار وحدة الحراك، لأنه سيخرج «عروس الثورة» طرابلس وزينته صيدا من الحراك، كرد فعل غاضب، ويقدم كهدية من حركة امل وحزب الله الى منطقة بعلبك ـ الهرمل التي ينتمي اليهما معظم الموقوفين او الملاحقين الآخرين، ما يدفعهم الى الابتعاد عن الحراك عرفانا بالجميل لمن وفر العفو لابنائهم.

ومن هنا، اتجاه الحراك الى اغلاق الطرق المؤدية الى مجلس النواب صباح اليوم لمنع النواب من الوصول اليه، في حين تصر اطراف اخرى على عقد هذه الجلسة وفتح الطرقات الى المجلس عنوة، وهنا تبقى المسألة بيد رئيس المجلس نبيه بري، فبإمكانه ان يؤجل هذه الجلسة مرة اخرى، بحسب نائب رئيس المجلس ايلي الفرزلي.

حكوميا، الغموض سيد الموقف، وسط حرب بيانات بين رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري ووزير الخارجية السابق جبران باسيل عبر المصادر والمكاتب والمواقع الاعلامية.

ويلفت هنا تغريدة عبر تويتر قال فيها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط: يتبين كيف ان الانفصام بالشخصية يسود دوائر القرار العليا، التي لا تستطيع ان تتنازل وتتنحى عن السلطة مقابل بديل انتقالي عصري وصولا الى الجمهورية الثالثة، بعدما ماتت الثانية، والاهم في الحزب التقدمي الاشتراكي التحديث من اجل مواجهة التحديات والافتراءات.

وختم بالقول: نكون او لا نكون.

في هذه الاثناء، يبدو من مجمل مستجدات ما بعد انسحاب الوزير السابق محمد الصفدي من السباق الى رئاسة مجلس الوزراء ان الجسور تقطعت بين الحريري وباسيل ومن خلفه رئاسة الجمهورية في ضوء السجالات الاتهامية المتبادلة والتي انضم اليها الصفدي داعما لوجهة نظر باسيل في الجدل الدائر حول من رشحه ومن خلف بوعده له بالدعم، ناحيا بالمسؤولية على الرئيس الحريري «الذي قطع لي وعودا ولم يلتزم بها لأسباب مازلت أجهلها، فما كان مني الا ان أعلنت انسحابي».

رئيس مجلس النواب نبيه بري كرر التأكيد امس: رهانه على عودة الرئيس سعد الحريري لتشكيل حكومة تواكب الوضع الخطير جدا ويجب تداركه في اسرع وقت لأن البلد اشبه بسفينة تغرق شيئا فشيئا، فإن لم نتخذ الاجراءات اللازمة فستغرق بكاملها.

وانسياقا مع هذا الجو، قللت اوساط متابعة من نهائيات الازمة اللبنانية بمختلف جوانبها الحكومية والاقتصادية مع وجود سلطة بلا ضمير وثورة بلا افق.

لكن النائب السابق د.فارس سعيد رأى العكس، خصوصا على صعيد الانتفاضة التي حققت، اولا استقالة حكومة الحريري، وثانيا اقفال مجلس النواب، وثالثا ارباك خطاب السيد حسن نصرالله، ورابعا سقوط الحدود الطائفية والمناطقية بين اللبنانيين، وخامسا انتزاع اعتراف دولي بها، وسادسا اوصلت ملحم خلف الى رئاسة نقابة المحامين، وسابعا اسقطت محمد الصفدي من الشارع، وبالتالي هي تنمو يوما بعد يوم واسبوعا بعد آخر، مقابل سلطة تنهار وعاجزة عن تشكيل الحكومة وعن فتح المصارف، وتتصرف بلا مركزية امنية بين جهاز وآخر، سلطة تتفق مع بعضها على اسم في الليل وتختلف عليه في النهار.