في لبنان زعماء قلائل ومسؤولون كثر، والزعيم الحق هو من يجمع بين الزعامة الشعبية والقيادة السياسية، الى جانب سعة الافق والقدرة على استقراء الاحداث قبل وقوعها، والتكيف معها بحسبما يراه في مصلحة شعبه ومناصريه.

الى جانب ذلك، وضمن مقاييس الزعامة القدرة على تحريك الجماهير وتجيير الاصوات في الانتخابات والخروج من دائرة البلدة او المنطقة او الدائرة الى رحاب الوطن الأوسع.
رئيس جبهة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط يضيف الى كل هذه المقومات الزعاماتية انفتاحه الحزبي والسياسي على مختلف المناطق والطوائف، بحيث يجمع في قيادة وهيكلية حزبه كوادر متعددة طائفيا، ومتنوعة مناطقيا، ويحيط نفسه بشخصيات نيابية ووزارية متميزة علما وحنكة وتواضعا، وهو ما لا نجده لدى بعض الزعماء الآخرين، او الشخصيات التي تحذر من خروج الحليف او الشريك عن الارادة، اذا ما ضحكت له لعبة الحظ يفضل التعاون مع من يسلمون القياد، بمعزل عن مستويات فهمهم للامور السياسية، وجهلهم لاحتياجات الناس، بعكس زعيم المختارة الذي يرى مع طاغور ان الانسان يدنو من العظمة بقدر ما يدنو من التواضع.
البعض يأخذ على جنبلاط سرعة تبديل او تغيير تحالفاته واتجاهاته السياسية، وقد يكون هذا ممكنا على مستوى التكتيك السياسي في لبنان، بدليل تحالف الضرورة الذي عقده مع الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد، بعد اغتيال والده من جانب نظامه، ريثما استطاع مواجهة تداعيات الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982 وحرب الجبل مع القوات اللبنانية التي اعقبتها.
وتحالف لاحقا مع بشار الاسد لفترة قصيرة بعد الدخول السوري مجددا الى لبنان، ومشى معه خلال مرحلة الـ «سين.سين» الى التفاوض السعودي ـ السوري، وعندما فرطت معادلة الـ «سين.سين» مشى بحكومة نجيب ميقاتي الذي يعد اليوم بمنزلة بيضة القبان فيها، لكنه ظل على جفائه مع النظامين الايراني والسوري، ومثل هذا التكتيك السياسي لا يلامس الثوابت الوطنية التي لا تتغير ولا تتبدل بالنسبة اليه.
منذ اندلاع الثورة السورية، لعب جنبلاط دورا اساسيا في كبح استدراج النظام لدروز سورية الى هذه المعمعة، وقال كلمته الشهيرة: اجلس على ضفة النهر بانتظار مرور جثة عدوي.
امس وفي لقاء مع جمعية مراسلي الصحف العربية في لبنان كان الانفجار في مقر الامن القومي بدمشق قد بلغ المسامع، سئل جنبلاط ما اذا كان لايزال منتظرا على ضفة النهر، فأجاب: ها هي جثثهم بدأت تمر.
وفي حديثه الشامل، وجه جنبلاط نداء الى الموحدين الدروز في سورية للانضمام الى الثورة، كما دعا الجنود الدروز في الجيش السوري الى الالتحاق بالجيش السوري الحر.
في تعقيبه الأولي عما إذا كان تفجير دمشق سيدفع الرئيس السوري بشار الأسد للاستسلام أو الرحيل، رد رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط «إن هذا التفجير لا يعني أنه سيرحل أو يستسلم، بل سيستمر في المواجهة، لذلك فإن الإسراع في تسليح وتمويل الجيش السوري الحر يوفر على سورية الكثير من الخراب والدمار، لاسيما عندما نرى ما جرى في مدينة حمص، التي تقريبا سويت بالأرض، ويحاول أن يفعل الشيء نفسه في خان شيخون، إدلب، معرة النعمان، والحفة وغيرها».
ورأى جنبلاط «أن النظام السوري يحاول أن يرسم خارطة شرق الجبال، وأن يهجر أكبر كم ممكن من السكان، وغير صحيح أن السكان هم من السنّة فقط، ففي حمص كان هناك أكثر من 180 ألف مسيحي، والذي يدعي أنه يحافظ على الأقليات لم يبق من هؤلاء أحد نتيجة القصف والتدمير المنهجي لحمص وأحيائها القديمة».
وردا على سؤال، كرر جنبلاط «أن الأسد لن يستسلم، لذلك فالإسراع في إسقاطه أفضل، ويوفر المزيد من الدماء على الشعب السوري، ويجنب سورية مزيدا من الخراب»، مضيفا: «عندما ترى اليوم المعارك في شارع بغداد الذي هو من أجمل شوارع دمشق، فكيف إذا استمر في العناد والإجرام، وهو سيستمر بالعناد، سيكون هناك الكثير من الدم والخراب، الذي لن يردعه شيء عنه، وقد يجره جنونه الى تدمير مدينة دمشق، لذا أدعو الحكومة اللبنانية، وقد بلغني ان هناك الآلاف من النازحين على الحدود، الى اتخاذ قرار تاريخي باحتضان الشعب السوري الذي احتضن مئات الآلاف من اللبنانيين أثناء عدوان يوليو 2006، بفتح المدارس والمؤسسات لاستقبالهم وإقامة مخيمات للاجئين لتقديم المساعدات الاجتماعية والإنسانية لهم».
وتوجه جنبلاط بنداء الى أهالي جبل العرب داعيا إياهم للالتحاق بالثورة والوقوف الى جانب سائر الوطنيين السوريين في مطالبتهم بالحرية والديموقراطية. وقال: «أدعو كل المترددين الى الخروج من هذا التردد والخوف والانضمام الى الثورة وقد سبق لقسم من أهالي جبل العرب ان قاموا بواجبهم وقد استشهد منهم أبطال أمثال الرقيب أول مجد الزين وشقيق شقير وياسر عواد وسواهم. كما أدعو الى الانشقاق عن الجيش النظامي والالتحاق بالجيش الحر لأنه السبيل الوحيد لإسقاط النظام الحالي. وأوجه النداء ذاته الى ابناء الطائفة العلوية الكريمة لأقول لهم انهم سوريون قبل ان يكونوا علويين وأنبههم أن الدخول في مغامرات قد تريدها العصابة الحاكمة لوضعهم في مواجهة مع ابناء الطوائف الأخرى».
وحول ما أشيع بأن الأسد انتقل إلى القرداحة، بلدته، قال جنبلاط انه لم يسمع بذلك، وإذا كانت هذه المعلومات صحيحة، فإن ذلك يعني أنه يحضر لمعركة طويلة وجر البلاد الى مغامرة ذات طابع مذهبي، ومجيئه إلى القرداحة يعني أنه يريد أن يجري آخر معركة فيها، لكنه أدخل سورية في المجهول. لذلك، أعود وأكرر ان تسليح المعارضة السورية ودعم الشعب السوري بالمال يوفر مزيدا من الدمار والخراب.
وحول علاقات القوى اللبنانية فيما بينها قال جنبلاط: «نحن كحزب تقدمي اشتراكي نظمنا الخلاف مع حزب الله فيما يتعلق بالنظام السوري، فهم يؤيدون النظام السوري، وهذا خطأ فادح أخلاقيا وسياسيا، فمستحيل التوفيق بين محاربة الظلم والاحتلال والدفاع عن الجنوب ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي ورفع الظلم عن الشعب الفلسطيني في فلسطين المحتلة، وتأييد النظام السوري الذي يفتك بشعبه ويدمر سورية».
وفيما يتعلق بسلاح حزب الله قال: «سمعت تصريح النائب محمد رعد، بأنه لا تسليم للسلاح قبل التحرير، فأنا أعترض عليه، لأن الدولة اللبنانية هي التي تقرر تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا بالوسائل التي تريد إما سلما، أو حربا، حيث كنا قد اتفقنا في جلسات الحوار عام 2006 على تثبيت ملكية تلك المزارع بالتحديد والترسيم»، ملاحظا «أن ذلك يتم مع الدولة السورية، وحتى الآن لم يتم أي ترسيم، لا في مزارع شبعا ولا في تلال كفرشوبا، ولا حتى في مناطق الهرمل ودير العشاير والحدود البحرية الشمالية».
وأضاف جنبلاط: «في الجنوب نعم للسلاح بإمرة الدولة للدفاع عن لبنان، لكن لا يستطيع حزب أيا كان هذا الحزب أن يقرر وحده منفردا أنه يحرر ثم لاحقا يلتحق بالدولة فهذا غير منطقي»، موضحا ان «الورقة التي قدمها رئيس الجمهورية واضحة، وهي تتناول كيفية الاستفادة من السلاح في الدفاع عن لبنان، وليس عن الجمهورية الإسلامية ولا عن أي شخص آخر».
ورأى جنبلاط: «ان الأساس هو استيعاب هذا السلاح في الدولة»، مشيرا إلى «أن البلد مقسوم بين مؤيد للنظام السوري، ومعترض على هذا النظام ومؤيد للشعب السوري»، مشددا على «أن تبقى ردة الفعل من الطرفين سلمية وكل واحد حر في أن يعبر بالطريقة التي يريدها».
وحول الموقف الروسي من سورية قال جنبلاط: كانت هناك عدة فرص أمام روسيا لإنقاذ سورية مما جرى فيها من خراب ودمار، وحتى الآن يستطيعون في مجلس الأمن أن ينقذوا سورية عبر موقف إيجابي متضامن مع الرأي العام العالمي، كي لا يزيدوا في مواقفهم السلبية بإعادة رسم الخارطة في المنطقة ربما، أو بتخريب سورية، فموقفهم من النظام لم يعد مقبولا لا أخلاقيا ولا سياسيا، كما أنه لم يعد مفهوما، إلا إذا كانوا يريدون فتح خرائط قديمة عندما كانت هناك روسيا القيصرية قبل أن تشارف على نهايتها، وقبل ثورة لينين في عامي 1916 و1917 حيث شاركت روسيا بشكل غير رئيسي مع بريطانيا وفرنسا في تقسيم تركيا وسورية، حيث كان آنذاك حصة لروسيا في تركيا على ما أعتقد، وفي عام 1920 اخترع الجنرال غورو خمس دويلات هي: العلوية، دولتا حلب ودمشق وسنجق اسكندرون، والدويلة الدرزية التي أسقطها لاحقا الثوار الوطنيون السوريون بقيادة سلطان الأطرش. موضحا: قبل ثورة لينين شاركت روسيا في خطط خرائط المنطقة لأن العدو اللدود لروسيا كان دائما السلطنة العثمانية».
وفي تفسير لزيارة بوتين إلى إسرائيل، قال جنبلاط: «بدا وكأنه جاء إلى إسرائيل ليقول: نحن نحميكم»، مشيرا إلى «أن ثاني لوبي إسرائيلي بعد واشنطن هو في موسكو، وكان الناطق الرسمي لهذا اللوبي في مرحلة معينة هو بريماكوف»، لافتا إلى «أن الأخير مع سلطانوف، كانا غير مرحبين بالمحكمة الدولية بعد اغتيال الرئيس الحريري».
ورأى جنبلاط أن في روسيا الآن قيصرية جديدة آملا من «القيصر بوتين»، على حد تعبيره، أن ينقذ روسيا من الخراب، لافتا إلى مقابلة لعبد الحليم خدام قال فيها انه «من الأفضل لبشار الأسد الهرب إلى روسيا»، معتبرا «أن هذا قد يكون الحل».
وأضاف جنبلاط قوله: «في آخر زيارة لي إلى موسكو التقيت مع لافروف، فكان موقفه متصلبا، وسألته لماذا أنتم ضد الشعب السوري، فأكد لي أنه لا تسوية إلا مع بشار»، واعتبر جنبلاط أن هذا الشعار «أوصل سورية إلى ما هي عليه الآن، فقد كان ممكنا تفادي الكثير، وحتى نظرية الحكومة الانتقالية، التي خرجت مؤخرا، مستحيلة في سورية، فهل يراد استبدال بشار بأخيه أو أخته، أو بآل مخلوف».
وفي عودة إلى عملية التفجير الأخيرة التي طالت بعض رموز النظام السوري أكد جنبلاط: «أن هؤلاء الرموز الذين يشكلون خلية الأزمات، التي تعالج عملانيا على الأرض أمنيا وسياسيا وعسكريا هم الذين استهدفوا، ومن كان معهم أيضا.. غير ذلك لم تأتني أي معلومات، ولا أعرف، لقد كان هؤلاء هم القادة الميدانيون للقصف والتدمير والخطف والاعتقال والتعذيب والقمع».
وعلق جنبلاط على المرحلة الانتقالية في اليمن، فرأى أن المجتمع اليمني قبلي، ولكنه حضاري، فهذا اليمن على مدى أشهر شهد حراكا، لم يسقط أحد إلا عندما حصل بين بعض الألوية وبين علي عبدالله صالح شرخ، لكن مؤيدي المعارضة والموالاة احترموا أنفسهم، علما أنه في كل بيت يمني هناك كم كبير من السلاح.. كما خرجت ناشطات كان لهن دورهن، فاليمن أعطى مثلا في الرقي والديموقراطية.
وأوضح: في اليمن القبائل التي ينتمي إليها علي عبدالله صالح تخلت عنه من خلال المبادرة الخليجية، وأصبح هناك تداول في السلطة.
وردا على سؤال حول التطورات العكارية الأخيرة في شمال لبنان، قال جنبلاط: الخطر على الجيش اللبناني كان في هذه المغالاة لدفع الجيش لمواجهة الشعب، كان لابد منذ أول لحظة إزاء حادثة الشيخ عبدالواحد ومرافقه، من معالجة الأمر قضائيا، ولكنها لم تنجح نتيجة ضغط بعض العبثيين، إلا أن رئيس الجمهورية استدرك فأعيدت المحاكمة، كما فعل إبان حادثة مار مخايل واعيد توقيف الضباط.
وعن ظاهرة الشيخ الأسير تساءل جنبلاط «إلى أين سيصل، حتى الاعتصام الذي نفذه يوما «حزب الله» بدأ بحشد كبير، لكنه انتهى بعشرة أشخاص، إن حرق الدواليب، وقطع الطرقات، لن يحقق نتائج».
وشدد جنبلاط، في سياق حديثه، على أن المطلوب أخيرا هو القبول بإستراتيجية دفاعية ووضع السلاح بتصرف كل الشعب اللبناني أي الدولة، ثم السماح للدولة بأن تعالج كل المشاكل من السرقة إلى الرشوة والكهرباء والمخدرات، وكل أشكال الموبقات التي تطال كل المجتمع اللبناني.
وردا على سؤال حول تسليم داتا الاتصالات قال: «الداتا» ملك الجميع وكفى هذا التصويب على فرع المعلومات الذي قام بدور كبير في قضية اغتيال الرئيس الحريري، ونصيحتي طالما أن السيد حسن نصر الله قام بمرافعة يقول فيها أن إسرائيل قتلت الرئيس الحريري، فليتفضل، ويقدم هذه القرائن إلى المحكمة الدولية، فقد يكون عنده الحجة ليدحض فيها معلومات المحكمة الدولية، علما بأن هذا الجهاز أو الفرع مع جهاز الاستخبارات العسكرية استطاع أن يوقف العديد من عملاء إسرائيل وان يقوم بإنجازات كبيرة جدا.
أضاف: لكن أن تحجز الداتا من قبل وزير في جريمة أو محاولة إغتيال، فإن الأمر غير مقبول، متسائلا: أنت وزير وتحجب الداتا، فلماذا تعرض نفسك للاتهام؟ حتى أنك قد تتهم بمحاولة اغيتال بطرس حرب؟ وأشار جنبلاط: هناك هيئة قضائية برئاسة قاض محترم هو القاضي حاتم ماضي، وبالتالي أول الأمر يجب أن أسلم الداتا للقضاء حتى يقوم بالواجب، لافتا إلى أنه من الضروري حصر الداتا بمعطيات محاولة اغتيال مثلا، وليس أن تفتح على كل شيء فهناك حرمات لا يجوز خرقها.
وعاد جنبلاط بالحديث إلى التطورات السورية مقارنا بين الرئيس الأسد الابن وبين والده فقال: إن حافظ الأسد كان لديه حنكة أكبر باستيعاب كل التناقضات العالمية، لأنه وجد في أوج الحرب الباردة، وكانت سورية نقطة تقاطع وتواصل. وباسم تحرير الجولان بعد حرب 1973، وتحرير الأرض، أخذ لبنان كترضية، وكان مطلوبا ضرب اليسار اللبناني، وهو مطلب عربي، وضرب منظمة التحرير وياسر عرفات، وكان هذا مطلبا أميركيا ـ إسرائيليا، وهذا الموضوع بدأ فيه سنة 1975 وانتهى به في حرب المخيمات، وهو تحقق رسميا بعد أن خرج عرفات من لبنان سنة 1982. واستطرد: عندما عاد عرفات إلى طرابلس، فتح جرح طرابلس منذ تلك الفترة، عندما قام أحمد جبريل والأحزاب الموالية لسورية بتدمير باب التبانة مرورا بحرب المخيمات، معتبرا أن حافظ الأسد أدخل الاغتيال السياسي إلى لبنان، وبشار تابع نهج ابيه.
تابع جنبلاط: أن حافظ الأسد استفاد من الحرب الباردة وجاء بكل رؤساء دول العالم إلى دمشق تحت شعار تحرير فلسطين، لكنه في نفس الوقت لم يكن يعترف بالقرار الفلسطيني المستقل، بينما كنا نحن آنذاك متمسكون بالقرار الفلسطيني المستقل، وهو أحد أكبر المشاكل التي كانت مع النظام السوري، فكمال جنبلاط كان يدافع عن القرار الفلسطيني المستقل ولبنان المستقبل، بينما النظام السوري لم ير ذلك وكان التدخل السوري بتغطية عربية ودولية».
ولفت إلى ان القوى الوطنية حاولت في السابق أن تقنع ما كنا نطلق عليه الانعزال اللبناني، بأن السوريين إذا دخلوا لبنان لن يخرجوا، فكان أن خرجوا على دم رفيق الحريري، بعد أن دخلوا على دم كمال جنبلاط.








