استقالة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في هذا الوقت اللبناني والإقليمي المأزوم طرحت سؤالا كبيرا مازال وسيبقى لفترة من الوقت، ينتظر الجواب الصحيح.. هل هذه الاستقالة تعكس نجاح حزب الله وحلفائه في الثامن من آذار في دفع ميقاتي إلى الرحيل، أم أنها دليل على نجاح ميقاتي ومعه النائب وليد جنبلاط في القفز من مركب التحالف الحكومي المشرف على الغرق؟
وبصرف النظر عمن يكون النجاح الى جانبه، وبمعزل عن الاسباب المباشرة أو المتراكمة للاستقالة، فإن الأوساط الديبلوماسية المراقبة في بيروت، اعتبرت لـ «الأنباء» ان هذه الاستقالة تمثل أول سقوط سياسي للمحور السوري ـ الإيراني على مستوى السلطة التنفيذية في لبنان، ومن في الحكومة المستقيلة اليوم، لن يكون في الحكومة المرتقبة غدا، والدليل استياء اوساط الحزب من جملة مواقف لرئيس الحكومة من تمويل المحكمة الدولية التي تبني القيادات الأمنية المحسوبة سياسيا على الخط الحريري، الى توبيخ وزير الخارجية عدنان منصور جراء خروجه على مبدأ النأي بالنفس من الحالة السورية في الجامعة العربية وصولا الى عدم استنكار اغتيال رجل الدين السوري محمد سعيد رمضان البوطي، كما فعل الرئيس ميشال سليمان على الأقل، انتهاء بعدم التشاور مع الحزب في موضوع الاستقالة، والاقتصار في الكلام عن احتمال الاعتكاف، وبالتالي الاكتفاء بطرح الاستقالة على رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس البرلمان نبيه بري.. ويذهب أحد الإعلاميين المواكبين لحزب الله الى حد القول ان ميقاتي مرمر فم الحزب بمواقفه الخارجة عن نطاق التفاهم.. وربما كان يعتقد انه يناور.
في المقابل، ترى أوساط حكومية أن ميقاتي لم يلق المعاملة اللائقة بموقفه وموقعه من الأكثرية التي يقودها حزب الله، ومثله كان حال رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، الذي كان مطالبا بغض الطرف عن الخروقات العسكرية والإرهابية السورية للحدود اللبنانية وللاستقرار اللبناني، وكان استقواء الأكثرية الوزارية على الرئيس سليمان بكسر رغبته في تشكيل الهيئة المشرفة على الانتخابات في مجلس الوزراء، وايضا على الرئيس نجيب ميقاتي في موضوع التمديد للواء أشرف ريفي، القائد الأمني القدير، وتاليا ان هذه «القحلة أورثت هذه الوحلة».
الرئيس ميقاتي بكر في الصعود إلى القصر الجمهوري لتقديم استقالته خطيا للرئيس سليمان، وسئل من قبل الصحافيين فأجاب: لقد كانت المواضيع متراكمة ولاحظت أنه لا نية لإجراء الانتخابات، والأجهزة الأمنية إلى فراغ، فقلت كفى لتجاهل القانون وقدرت الاستقالة لأن الموضوع لا يتحمل تأخيرا، ولم أخبر أحدا عن الاستقالة، كي لا اتعرض لأي ضغوط لا للبقاء ولا للاستقالة، فكان القرار قراري الشخصي دون تدخل من أحد.
وبعيد مغادرته صدر عن المديرية العامة لرئاسة الجمهورية بيان أعلنت فيه أن سليمان قبل الاستقالة وأنه أعرب عن شكره لدولة الرئيس وللسادة الوزراء، وطلب من الحكومة الاستمرار في تصريف الأعمال ريثما تشكل حكومة جديدة».
لكن العماد ميشال عون اعتبر ان أسباب استقالة ميقاتي تافهة، ودعا الى البحث عن سبب استقالته في احدى السفارات!
وردا على سؤال قال ان تسمية رئيس حكومة جديدة، موضوع معقد حتى الآن، وانتقد تصرف الرئيس ميشال سليمان «الذي قام بعمل ديكتاتوري بغرض موضوع هيئة الإشراف على الانتخابات، وقد ضرب عرض الحائط بمواقف الطوائف المعارضة لقانون الستين».
بيد ان النائب هادي حبيش، عضو كتلة المستقبل رأى ان ميقاتي نفذ مصلحته بالاستقالة بغض النظر عن ظروف أو أسباب الاستقالة، وقد استفاد من ملف التمديد للواء أشرف ريفي ليقدم استقالته عبره لما يحظى به ريفي من احترام في طرابلس. وكشف حبيش عن اقتراح قانون امام مجلس النواب لتمديد سن تقاعد الضباط من 61 الى 63 عاما لقائد الجيش ومن 59 الى 61 عاما لقادة الأمن.
وتقول مصادر مطلعة لـ «الأنباء» انه ما لم يقر هذا الاقتراح خلال الاسبوع الطالع اي قبل الأول من ابريل موعد تقاعد اللواء ريفي فإن اي حكومة مقبلة ستتبنى استدعاءه من الاحتياط لتولي المنصب الذي برز في إدارته.
وأضافت المصادر ان العناصر الوزارية التي أحبطت التمديد للواء ريفي لن تكون موجودة في الحكومة العتيدة، التي ستكون انتخابية حيادية ولا وجود فيها لحزب الله او لأي طرف حزبي آخر.
ويرشح لرئاسة هذه الحكومة النائب تمام سلام، او الوزير السابق محمد شطح، في ضوء عدم تشجع رئيس الهيئات الاقتصادية لهذه المهمة.
وبانتظار ذلك، سيظل شبه الفراغ السياسي مصحوبا بالفوضى الأمنية، وما يجري في طرابلس الآن انموذج مشهود، كما الذي سبقه في صيدا، او على الحدود الشرقية والشمالية العالقة مع سورية.
حزب الله يقول ان ما جرى يعني ان هيئة الإشراف على الانتخابات سقطت وسقط معها قانون انتخابات 1960 الذي ترفضه 8 آذار، بالضربة القاضية، وانه خرج من الموت السريري الى الموت الفعلي.
لكن تضامن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة خرق التوقعات، فالأول مؤتمن على إجراء الاستحقاق الانتخابي في موعده بأي ثمن، والثاني لا يتحمل خسارة شعبية اللواء ريفي في طرابلس، بعد اغتيال اللواء وسام الحسن، واشتعال النار في قلب عاصمته الثانية.
وربما أن ميقاتي اكتشف اخيرا انه لم يعد بوسعه المتابعة في دور الزوج المخدوع، بعدما اخذوا منه ما بوسعهم، وخذلوه حينما احتاجهم للتمديد الى اللواء اشرف ريفي الذي يشكل ضمانة امنية وأخلاقية وظاهرة وطنية وشعبية جالبة للأصوات الناخبة في طرابلس.
وبين هؤلاء من تكلموا عن الفراغ النيابي وعن المؤتمرات التأسيسية، وعن عقود اجتماعية جديدة تعيد النظر بتوزيعة انصاب الدولة، وأسس المشاركة الوطنية، وصولا الى دفن اتفاق الطائف، واستبدال المناصفة بالمثالثة، وسواها من افكار مستوردة وضعت كما السم في الدسم، وقدمت لبعض ذوي الطموحات الوصولية القصيرة النظر.
بعض هذه القوى وتحديدا فريق الرئيس نبيه بري سرب بعض ما دار بين رئيس المجلس ورئيس الحكومة قبل ظهر الجمعة، حيث دعا بري ميقاتي الى تأجيل القرار بخصوص اللواء ريفي لأسبوع، كي نحاول الاخذ والرد مع الآخرين، وأنا مستعد للسير معك، فكان جواب ميقاتي: اريد الجواب اليوم قبل الغد، فماذا لو ارجأت قراري (الاستقالة) وكانت النتيجة نفسها؟
وقالت صحيفة «السفير» ان الرئيس ميقاتي اتصل بالمعاون السياسي للسيد حسن نصرالله وهو الحاج حسين خليل وقال له: اريد جوابا نهائيا، فرد خليل قائلا: ان سماحة السيد نصرالله يهديك تحياته، ويقول لك اعمل ما يريحك، لكننا لن نسير بقضية اشرف ولا بهيئة الاشراف.
في غضون ذلك، باشرت دوائر القصر الجمهوري التحضير للاستشارات النيابية لتشكيل الحكومة العتيدة، بانتظار عودة الرئيس ميشال سليمان من القمة العربية في الدوحة، منتصف هذا الاسبوع.
وكالعادة تتجه الأنظار الى رئيس جبهة النضال الوطني وليد جنبلاط، الذي يشكل معيار التوازن السياسي في الوضع اللبناني الراهن.
جنبلاط وفي اول رد فعل على استقالة الحكومة قال: نتماشى مع الاستقالة، ولنذهب الى الاستشارات لنرى ماذا سيحصل.
وأضاف في تعليق للمؤسسة اللبنانية للإرسال يقول: ميقاتي لم تُحفظ له كرامة، وإن الخوف في قضية اللواء ريفي هو على فرع المعلومات، وردا على سؤال قال: المسؤولية تقع على عاتق من اجبروا ميقاتي، ولم يتركوا له مجالا حتى تعيين رئيس لمجلس خدمة مدنية بالوكالة.
ورد النائب وليد جنبلاط، معارضة قوى 8 آذار التمديد للواء اشرف ريفي في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، الى الرغبة في إلغاء فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي أو تحطيمه، والذي هو كالأمن العام والمخابرات العسكرية وأمن الدولة، يعملون للمحافظة على الدولة. وأبلغ جنبلاط قناة «المنار» ان اللواء اشرف ريفي لم يخطئ في مسيرته الشخصية ولا المسلكية وفي مرحلة معينة لبى كل ما كان يطالب به، لكننا نرفض ان يصبح فرع المعلومات في يد أحد رموز الوصاية السورية ولست ارى الدخول في تسميته لكنني اعلم انه لايزال في السلك بعدما بُرئ تقنيا.
والمقصود بكلام جنبلاط اللواء علي الحاج، المدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي الذي أمضى 4 سنوات في السجن مع اللواء جميل السيد والعميدين مصطفى حمدان وريمون عازار، في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ثم أطلق بقرار من المحكمة الدولية. وقد رد اللواء الحاج على جنبلاط بالقول ان القانون يسمح له بتسلم القيادة فور تقاعد اللواء ريفي بحكم رتبته العسكرية.
وأعطى جنبلاط للرئيس ميشال سليمان الحق بالتمسك بـ «قانون الستين» الانتخابي، لأنه موجود وساري المفعول. وأكد انه وأعضاء كتلته سيترشحون على أساسه قبل انتهاء المهلة في 20 أبريل.
وسئل جنبلاط: هل سيسمي ميقاتي لرئاسة الحكومة المقبلة إذا جرت مشاورات؟ فأجاب: عندها يكون لكل حادث حديث.
رئيس كتلة المستقبل فؤاد السنيورة قال من جهته ان استقالة الحكومة، والتي لطالما كانت مطلب فريقه السياسي، ستفتح بابا جديدا للحوار، إضافة الى الاستشارات.
واستطرد قائلا: لقد كان عليها ان تستقيل منذ فترة طويلة.
واختلفت القراءات حول الاستقالة، فالبعض توقع لها ان تحدث صدمة سياسية ـ إيجابية، في جو التنافر الحاصل، والبعض الآخر اعتبرها نهاية سياسة النأي بالنفس!
الحكومة التي أبصرت النور في 13 يونيو 2011 ثمن رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع استقالتها، على اثر رفض فريق 8 آذار التمديد لقادة الأجهزة الأمنية والعسكرية مع الإصرار على إدخال البلد بالمزيد من الفراغ القاتل، متمنيا على رئيس الجمهورية المبادرة الى تحديد مواعيد الاستشارات لتسمية رئيس حكومة جديد، ينقذ لبنان مما هو فيه.
ونفى جعجع أي اتجاه لترشيح نفسه للنيابة قبل ولادة قانون انتخاب جديد، معتبرا ان الحل الوحيد المتبقي وبالقانون المختلط.
أما رئيس الكتائب أمين الجميل، فقد أشار الى ان حكومة ميقاتي كانت مجموعة من التناقضات، مستغربا كيف طال بقاؤها حتى الساعة؟
وزير الداخلية مروان شربل رأى ان المنادين بإجراء الانتخابات في 9 يونيو إنما يبحثون عن مخرج لتمديد ولاية مجلس النواب الحالي!
فمن يتبرع بتقديم مثل هذا الطلب؟ من سيكون الجندي المجهول الذي سيضحى به؟