عاد الهدوء ليرخي بظلاله على مدينة بعلبك بعد العاصفة الفتنوية الهوجاء التي اجتاحت عاصمة البقاع الشمالي من لبنان، والتي انطلقت من إقامة حزب الله المسيطر على المدينة، حاجزا للتفتيش على مدخل سوق تجاري يحمل اسم عائلة الشياح البعلبكية السنية التي اعتبرت في إقامة الحاجز على مدخل باب رزق أعضائها، استفزازا مقصودا.

ويقول وزير الداخلية مروان شربل ان الجيش انتشر في الشوارع التي شهدت اعمال العنف، بعد انسحاب حواجز وعناصر حزب الله التزاما بالإجراءات التي اتخذها الاجتماع الأمني الطارئ الذي انعقد في القصر الجمهوري برئاسة الرئيس ميشال سليمان. النائب كامل الرفاعي ممثل سنة بعلبك في البرلمان اللبناني على لائحة حزب الله رد المشكلة الى خلافات فردية. والراهن انها بدأت كذلك، عندما اعترض أصحاب السوق من آل الشياح على تركيز حاجز لحزب الله على مدخل سوقهم.
وجرت اتصالات محلية مع مسؤولي الحزب، وكانت الحجة مخاطر تسلل عناصر من النصرة او القاعدة، لكن أصحاب السوق رفضوا مثل هذا الاحتمال واعتبروا ان إقامة هذا الحاجز يعرقل الحركة التجارية داخل السوق، فقرروا المواجهة، لأن البديل هو النزوح، كما قال أحدهم: في اتصال هاتفي مع «الأنباء».
ومنذ بضعة ايام حصل احتكاك على الحاجز نفسه، بين عناصر الحزب وبعض اصحاب المحلات في السوق، نتيجة العرقلة الناجمة عن تفتيش المارة، تطور الى إطلاق نار على الحاجز ومنه، وسرعان ما بادر العقلاء الى إطفاء هذا الحريق في مهده.
لكن الحاجز بقي مكانه وكذلك الأحقاد التي نمت وترعرعت بين الطرفين بفعل الاحتكاكات اليومية والمناخات المذهبية، حتى كان ما كان يوم السبت الماضي.
الأسباب بدأت فردية، لكن استمرارها دون معالجة، سمح بإعطائها أبعادا سياسية، الى درجة تصور بعض قوى 14 آذار ان توقيت تفجير الوضع في بعلبك، وبالطابع المذهبي الذي أعطي له، هو في واقع الحال رسالة من حزب الله ومعه حلفاء النظام السوري في قوى 8 آذار برسم زيارة الرئيس ميشال سليمان الى المملكة العربية السعودية غدا الثلاثاء، حيث سيلتقي خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وسيتباحث مع الرئيس سعد الحريري بشؤون الساحة اللبنانية، والراهن ان الرئيس سليمان أرجأ امس هذه الزيارة، الى وقت لاحق.
وفي قراءة أكثر بعدا ذهب هذا البعض في تحليل حوادث بعلبك لـ «الأنباء» الى حد ربطها بالانقسامات التي بدأت تظهر في تركيبة السلطة الإيرانية، حول مدى انفتاح الرئيس الإيراني حسن روحاني على ما كان يوصف بـ «الشيطان الأميركي الأكبر»، علما ان الرئيس الأميركي باراك أوباما هو من كان صاحب المبادرة في الاتصال الهاتفي، بعدما عجز الوسطاء عن إقناع روحاني بعقد لقاء مباشر مع أوباما في نيويورك.
وفي تقدير هؤلاء ان الجهات المعنية في حزب الله، لو شاءت عدم توظيف أحداث سوق الشياح في بعلبك سياسيا، لكانت اصدر اوامرها برفع الحاجز المثير للمشكلة في مدينة بعلبك، ومن هنا الاعتقاد بوجود رسالة سياسية خلف ما جرى ان لم يكن برسم زيارة الرئيس سليمان الى الرياض رغم انه استبق الزيارة بلقاء الرئيس روحاني في نيويورك، بمعنى انه راعى توازن القوى الاقليمية في لبنان، فبرسم انفتاح روحاني على اوباما او استطرادا زيارة روحاني المقبلة الى السعودية في موسم الحج.
على اي حال، ان ما حدث في بعلبك اعاد مسألة سلاح حزب الله الى الضوء مجددا، من زاوية تناقضه مع «اعلان بعبدا» الحواري، في وقت يستمر الشلل الحكومي سواء كان على مستوى التصريف او التأليف، بعدما اطبق فريق 8 آذار حصاره على صيغة حكومة الثلاث ثمانيات التي جعلها الرئيس تمام سلام اطار الحكومة الذي يريده.
وحتى لو استطاع النائب جنبلاط اقناع الرئيس سعد الحريري بتبادل الثلث المعطل مع حزب الله عبر حكومة من 24 وزيرا موزعين بواقع 9 وزراء لقوى 8 آذار و9 لقوى 14 آذار و6 للمستقلين، فإن الوقوع في مشكلة المداورة في الوزارات وارد، في ضوء اصرار العماد ميشال عون على ابقاء حقيبة الطاقة بيد صهره الوزير جبران باسيل وثنائي امل وحزب الله قد يتمسكان بابقاء وزارة الخارجية في قبضة الوزير عدنان منصور!
يضاف الى ذلك دعوة الرئيس سليمان الاطراف اللبنانية الى الانسحاب من سورية، خصوصا دعوته الاجهزة الامنية لمنع عبور المقاتلين باتجاه لبنان من اي جهة.
وتقول وكالة «رويترز» في هذا السياق ان هناك ما بين 2000 و4 آلاف من المقاتلين والخبراء التابعين لحزب الله في سورية، يتحركون بتوجيه من قيادة الحرس الثوري في ايران بالتنسيق مع القيادة السورية، وضمن هذه القوات «فرق للاغتيال».
وبالعودة الى احداث بعلبك التي هدأت امس بفعل انتشار الجيش، تبين انها اسفرت عن خمسة قتلى من الطرفين بينهم جندي كان يمر بالمصادفة وقد صرعته رصاصة قناص.
والقتلى هم: عماد بلوت، هشام وهبي وعلي البرجاوي من حزب الله، وعلي المصري ومحمد علي صلح وهو الجندي.
وعرف من الجرحى: احمد حسن، محمد الشياح، ياسر سعيد، عبدالناصر جاري وعيل وهبي، وقيل ان حالة جاري حرجة للغاية.
قيادة الجيش اعلنت ان وحداتها تعزز انتشارها في المدينة وتتخذ اجراءات امنية مكثفة، واشارت الى توقيف مشبوهين، وقالت انها ستلقي القبض على اي مخالف بصرف النظر عن انتمائه العائلي او الحزبي، بما في ذلك استخدام القوة.
وكانت فعاليات مدينة طرابلس التقت تحت عنوان «اللقاء الاسلامي» في منزل النائب محمد كبارة واصدرت بيانا تلاه النائب كبارة وفيه يطالب الدولة بحماية الناس من اعتداءات الحزب الارهابي السافرة، بقصد استئصال اهلنا اللبنانيين المسلمين السنة من مدينة بعلبك والبقاع الشرقي، تحت نظر وحدات الجيش التي لم تسارع الى حماية الضحايا كما فعلت في ضاحية بيروت الجنوبية بموجب الخطة الامنية التي يبدو انه لا هدف لها سوى حماية الحزب الارهابي لا حماية الناس.
وتوجه البيان الى رئيس مجلس النواب نبيه بري وامين عام حزب الله السيد حسن نصرالله سائلا اياهما ما اذا كانا يتقبلان ما يجري في بعلبك.
بدورها، اتهمت هيئة علماء المسلمين في طرابلس حزب الله بالخروج على آداب العيش المشترك في لبنان.
وفي طرابلس ايضا، ألقيت قنبلة على مراب العقاد في شارع المئتين ما ادى الى مقتل امين ناصر وجرح اربعة هم: احمد عقاد، محمود مرعب، محمد سويد وفراس خزعي.


