خطف إعلان الرئيس ميشال سليمان عن هبة الثلاث مليارات دولار للجيش اللبناني الأضواء الديبلوماسية والسياسية في بيروت، وأضيفت إلى سلسلة الاهتمامات التي تشغل اللبنانيين الذين باتوا يخافون من عودة مسلسل الاغتيالات السياسية مع التفجير الذي أودى بالوزير السابق محمد شطح، المستشار الأقرب للرئيس سعد الحريري، مترافقا مع إطلاق الصواريخ المجهولة باتجاه المستعمرات الإسرائيلية انطلاقا من جنوب لبنان، فضلا عن تصدي مضادات الجيش اللبناني لطائرات سورية أغارت على جرود عرسال.
ويفترض أن توظف الهبة السعودية في حقل دعم سلاح الشرعية الوطنية المتمثل بالجيش اللبناني، الذي يواجه «منافسة» غير متكافئة مع سلاح حزب الله المتدفق من إيران.
وطبيعي أن تكون هذه الهبة مادة سجال ساخن مع قوى 8 آذار، وأول الغيث ما نقلته وسائل الإعلام التابعة لهذا الفريق، من خلال أسئلة استفسارية ذات مغزى حول حجمها وتوقيتها وآلية تنفيذها، واحتمالات التلبية الفرنسية ومداها، وسط إعلان رئيس كتلة المستقبل فؤاد السنيورة معركة «تحرير لبنان من احتلال السلاح غير الشرعي» فاتحا بذلك معركة سياسية.
وقد انطلقت موجة ردود تشكيكية من منابر 8 آذار، افتتحها تيار المردة بلسان مسؤوله الإعلامي المحامي سليمان فرنجية، الذي شكك بتوقيت إعلان الهبة، وشدد على ارتباطها بقبول مجلس الوزراء لها.
واتهم فرنجية سليمان بأنه بات ينتمي إلى 14 آذار، وتحدى أن يقبل هبة إيرانية مماثلة، علما أن إيران سبق أن عرضت تسليح الجيش اللبناني منذ كان سليمان قائدا للجيش، لكن مصادر بعبدا أكدت أكثر من مرة أن العرض الإيراني لم يقترن بأي أداء عملي جدي.
وكان الرئيس سليمان الذي غادر أمس إلى باريس في زيارة خاصة تستمر إلى ما بعد رأس السنة، استعاض عن مؤتمر صحافي أعلن العزم على عقده ببيان وجهه إلى اللبنانيين، تضمن كشفه عن الهبة السعودية وشكره لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز.
وتزامن الإعلان عن الهبة من وصول الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند إلى السعودية، ما أثر على خيار سياسي واضح للرئيس اللبناني، خصوصا أن فرنسا ستكون مصدر السلاح المحول من السعودية للجيش اللبناني، فالرئيس اللبناني حسم خياره، انه مع الدول التي تدعم شرعيته الدستورية وجيشه ومؤسساته، وليس مع الدول التي تعتمد سياسة فرق تسد بالدخول في خلافات او تباينات ابناء شعبه، لتتحكم به من خلال قوى مرتبطة بها، بشكل او آخر.
وسارع الرئيس سعد الحريري إلى شكر الرئيس سليمان على جهوده لتوفير هذه الهبة مذكرا بأن الجيش اللبناني امانة في وجدان العرب واستقرار لبنان امانة في قلب المملكة العربية السعودية وخادم الحرمين الشريفين.
وقد التقى الحريري الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند بحضور وزير الخارجية لوران فابيوس.
بدوره الرئيس المكلف تمام سلام وصف الهبة السعودية بأنها بمثابة ضوء في العتمة. وسبق اعلان الرئيس سليمان عن الدعم السعودي السخي لتسليح الجيش اللبناني اعلان رئيس كتلة المستقبل النيابية فؤاد السنيورة قرار قوى 14 آذار بتحرير لبنان، سياسيا، من السلاح غير الشرعي، والمقصود سلاح حزب الله.
لكن حزب الله اعتبر كلام السنيورة تحريضا، وقال في بيان انه يرفض الحكومة الأحادية، ويعتبر ان «تحريضهم لن يصل إلى أبعد من آذانهم».
رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، برر في مداخلة مع قناة المستقبل، مشاركته الشخصية بتشييع الدكتور محمد شطح رغم المخاطر الأمنية، بالصداقة التي كانت تربطه بشطح.. وقال: احيانا كثيرة العلاقات الشخصية تتخطى العلاقات السياسية، وانا لا أتصور ان كل يوم يمكن ان يكون لدينا محمد شطح، رغم ان الدنيا لا تخلو.. «كما اني احببت ان يرى شباب 14 آذار بأن كل ما حاول البعض تسويقه مؤخرا حول كل هذه الأعمال الوحشية لن يفت من عضدنا، لقد بت شاهدا على 17 عملية اغتيال ومحاولة اغتيال، لكن اغتيال شطح بالنسبة لي هو بمثابة نهاية الدنيا، وكأن ثمة فريقا يريد اخلاء البلد من امثال محمد شطح المفكر المعتدل والواسع الأفق، انهم لا يريدون رجالا بهذه المواصفات، بل يريدون اناسا كي يخوفونا منهم يوميا.
النائب د.سليم سلهب عضو تكتل التغيير والإصلاح، رحب بالهبة السعودية للجيش اللبناني، خاصة بعد كلام رئيس الجمهورية الذي قال إن هذه الهبة هي لتسليح الجيش وتدريبه وصيانة معداته، وأمل أن تؤدي الاتصالات بين السعودية والفرنسيين إلى تسريع الهبة، والعودة إلى المشروع الدفاعي الذي أقره مجلس الوزراء في وقت سابق.
وعن إعلان الرئيس السنيورة بدء تحرير لبنان من السلاح غير الشرعي، قال سلهب: الرئيس السنيورة يريد العودة إلى الدولة، وعلينا أن نتعاون لذلك، خصوصا أن الهبة السعودية ستعطى لمؤسسة الجيش الوطني وهذا عمل إيجابي وآمل أن نتعاطى مع بعضنا لنرى كيفية عمل مؤسسات الدولة وفي طليعتها مؤسسة رئاسة الجمهورية والحكومة، أملا أن يكون رد الفعل على اغتيال الوزير شطح، الحوار من أجل إنهاض هاتين المؤسستين.
بدورها تناولت قناة «المنار» الناطقة بلسان حزب الله ما تعرض له مفتي الجمهورية، وقالت إنه «تكفير السياسي بربطة عنق»، انهم الداعشيون الجدد محفوفو الشوارب واللحى، الباحثون عن مكان في السلطة، خرجوا من عقالهم وأخرجوا كل ما في جعبتهم من تكفير وإلغاء وإقصاء وهتك حرمات للمساجد والمقامات والعمامات، إشارة إلى ما تعرض له مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني، في مسجد الخاشقجي، أثناء مشاركته في جناز المفتي محمد الشعار، الذي قضى بالانفجار الذي استهدف الوزير السابق محمد شطح.
وأضافت المنار: بح صوت الخطيب في التشييع الأول في مسجد محمد الأمين صلى الله عليه وسلموتفجر الضخ والبخ غواء في التشييع الثاني في مسجد الخاشقجي، بوجه مفتي الجمهورية.
«المنار» نقلت تصريحا للنائب السابق نجاح واكيم يدعي فيه أن تصريح الرئيس سليمان حول الهبة السعودية حمل دلالات خطيرة، أبرزها أنه أعلن انحيازه وبشكل سافر إلى فريق سياسي معين، متجاوزا سياسة النأي بالنفس التي كان يباهي بها.
وفي اعتقاد واكيم أن كلمة سليمان توحي بأنه يدفع البلاد إلى كارثة خطيرة.

