«عرسال» جرح لبناني نازف، تنفيذ داعش تهديدها بقتل رهينة من العسكريين على مراحل، ما لم تستجب الحكومة اللبنانية لشروط إطلاق سجناء من طينتها في سجن رومية المركزي، رفع حرارة الدماء في عروق اللبنانيين عموما، وأهالي العسكريين المخطوفين خصوصا، وغالبيتهم من البقاع وعكار وإقليم الخروب، وعمليا من أهل السنّة.
قضية الرقيب علي أحمد السيد ابن مختار بلدة فنيدق (عكار) الذي وزعت داعش في البداية شريطا له بالصوت والصورة يدعي فيه الانشقاق عن الجيش، ثم بعد بضعة أيام وزعت شريطا آخر له مقطوع الرأس، هزت إيمان من كان يمكن أن يصبحوا البيئة الحاضنة لهذا التنظيم المتلبس بمسوح الاسلام، ونورّت النفوس، ضد تلك التنظيمات، وربما ترجمت غضبها. مخيمات النازحين السوريين الذين لا حول لهم ولا قوة.

والد الرقيب السيد، مختار «فنيدق»، أحمد السيد، قال انه تلقى تأكيدات من هيئة علماء المسلمين أن صورة الجثة المقطوعة الرأس هي لولده علي، وطالب الدولة بإعادته إليه حيا أو ميتا، وبدا من كلامه أنه أكثر اقتناعا بأن ابنه بات ضحية، وأضاف في حديث إذاعي:
لو كان ابني منشقا عن الجيش لما جرى ذبحه، موضحا أنه عاتب على قيادة الجيش لعدم التواصل الجدي مع الحكومة والعائلة للتنسيق في موضوع ابنه.
وأضاف: بعد ذبح ابني، ما الفائدة من الكلام؟ لقد ظلموا اخوته أمام الناس، بادعاء انشقاقه، وعلى قائد الجيش أن يضغط على الحكومة لفرض الحل، أي حل، وعتبي على رئيس الحكومة الذي قال للإعلام لا نفاوض الجماعات الإرهابية، وكأنه يقول لهم اذبحوهم نحن لا نريدهم!
وردت مديرية التوجيه في الجيش بأن الجيش اتصل بوالد علي السيد وحدد معه موعدا للقاء قائد الجيش العماد جان قهوجي، لكن خلافات داخل عائلة السيد حالت دون حصول اللقاء.
عمليا الأولوية الرسمية هي لمواجهة الأوضاع الأمنية الناجمة عن وجود داعش وأخواتها في جرود عرسال، ومعهم العسكريون والأمنيون المخطوفون ومصيرهم الغامض حتى الآن. بانتظار بيان تصدره قيادة الجيش حول مصير كل هؤلاء والأكثر إلحاحا مصير الرقيب علي السيد.
وحتى الساعة تلتزم قيادة الجيش بالصمت حيال مصير الرقيب السيد، لا نفي ولا تأكيد لصحة الصور المنشورة، والفيديو الذي سبقه وفيه يعلن انشقاقه، لكن تبدو عائلته في حداد، بدليل إقفال الطرق الرئيسية في عكار استنكارا وحزنا.
في هذا الوقت قتل الجيش المطلوب ركان محمد امون احد افراد مجموعة سامي وإبراهيم الاطرش المسؤولة عن تفجيرات الضاحية بعدما لم تمتثل سيارته لأوامر الحاجز في وادي حميد، واعتقل رفيقيه: خالد احمد امون ومحمد رياض عزالدين وضبط معهما بندقيتين حربيتين وذخائر.
الواضح ان الجيش تمكن من ابعاد النار عن دواخل عرسال، بدليل ان الاحداث او المناكفات تحصل مع المسلحين السوريين في اعالي الجرود، ولا تلامس حدود البلدة اما في اقاصي الشمال وتحديدا في عكار فقطع للعديد من الطرق احتجاجا على غموض مصير العسكريين، وقلقا على مصيرهم.
وفي هذا السياق، يمكن التوقف امام استقبال رئيس الحكومة تمام سلام لسفير قطر في بيروت، انسياقا مع الحديث عن احتمال تدخل قطر مع المسلحين السوريين ممن تملك المونة عليهم، في موضوع المخطوفين، علما ان بعض الاوساط الرسمية رجحت لـ «الأنباء» ان يكون لزيارة السفير القطري الى السراي علاقة ببرنامج زيارة الرئيس تمام سلام قريبا الى قطر.
ونقل عن سلام قوله امس ان المعطيات المتوافرة لدى المراجع العسكرية ليست مريحة لا بل مقلقة، واعتبر انه رغم كل هذه المخاوف كل شيء يهون امام تماسكنا الوطني، الذي هو خط الدفاع الأول عن لبنان واللبنانيين.
وقال سلام ليس صحيحا القول ان المعارك العسكرية هي التي ترسم خط الدفاع الأول، بل تماسكنا وتضامننا وراء القوى الأمنية والعسكرية اللبنانية، هو ما يضمن عدم تفاعيلها وتقليص سلبياتها الى الحدود الدنيا.
لكن وزير الداخلية نهاد المشنوق توجه الى الخاطفين بالدعوة الى التذكر بأنهم يعرضون وجود مليون ونصف مليون سوري نازح في لبنان.
وأضاف: هناك قرار متخذ بألا نترك بابا الا ونقرعه ولن نترك شخصا الا وسنطلب منه السعي لإطلاق سراح المخطوفين، ولكن لن نعلن ذلك ابدا، ولن ندع احدا ينام لا لبناني ولا سوري قبل اطلاق سراحهم تحت اي ظرف من الظروف.
وقال المشنوق: الذي لم يقل بعد ان عرسال محتلة، يكون لا يعرف ماذا يحصل هناك، وتابع قائلا: عرسال مدينة محتلة، قرارها السياسي محتل.
والراهن ان التقارير الامنية تحدثت عن تحرك عناصر من تنظيم داعش من القلمون السوري باتجاه جرود عرسال.
وسألت «الأنباء» مصدرا معنيا عما اذا كان بوسع قوات النظام السوري حد هذا التدفق الداعشي، فأجاب بقوله يستطيع النظام ذلك من خلال سلاح الجو، لكنه يريد ثمنا سياسيا اقله العودة الى التنسيق مع هذا النظام سياسيا وعسكريا.
واستحضر المصدر حملة التصريحات التي شنتها قوى الثامن من آذار بعد تدهور الوضع في عرسال اعتبارا من الثاني من اغسطس.
داعية الحكومة والجيش الى عدم التفاوض مع «الإرهابيين» والى التنسيق مع النظام السوري، وإلا لا يمكن التخلص من هذا الوضع.
وقد انضم العماد ميشال عون الى هذه الحملة بتحذيره الحكومة من التفاوض مع الإرهاب ودعوتها للتفاهم مع سورية، وهذا ما دعا إليه السفير السوري علي عبدالكريم علي أمس أيضا.
لكن حكومة تمام سلام الملتزمة بسياسة النأي بالنفس عما يجري في سورية تجاهلت هذه الدعوات تماما، وفضلت قرع الابواب الخارجية المؤثرة، مع مواصلة الجيش مطاردة الخلايا الداعشية في كل مكان من لبنان.
وردت مصادر في 14 آذار بالقول ان جحا لو كان معماريا، لاستطاع إعمار بيت له، بمعنى أنه لو كان النظام السوري قادرا على إنهاء داعش والنصرة، لما تردد في هذا على أرضه. ورفضت المصادر السماح لأي طرف بجعل أحداث عرسال مقدمة لعودة الوجود السوري الى لبنان من باب التنسيق وما اليه. وكشفت المصادر لـ «الأنباء» أن رئيس الحكومة قرر الإشراف على كل الاتصالات الجارية أو التي ستجري من أجل إطلاق المخطوفين، عبر مؤسسات وزارة الداخلية، وهذا ما يفهم من قول الوزير المشنوق أنه لن يترك بابا إلا وسيقرعه من أجل تحريرهم.
وعلى صعيد تسليح الجيش اللبناني، أعلن النائب حسين الموسوي، عضو كتلة الوفاء للمقاومة استعداد إيران لتسليح الجيش اللبناني فورا.
ويدأب حلفاء إيران على عرض تسليح الجيش منذ عهد الرئيس ميشال سليمان في القيادة ثم في الرئاسة، وقد نفى سليمان في تصريح رسمي أن يكون تلقى عرضا جديا بهذا ولو لمرة واحدة.
بدورها مصادر 8 آذار سخرت من شحنة الأسلحة الأميركية التي تسلمها الجيش يوم السبت، وقالت قناة الجديد في هذا الصدد: لقد ترجلت أميركا وحطت طائرتها في مطار بيروت محملة بالسلاح، ووصلت هبة اعترف السفير الأميركي ديفيد هيل بأنها ليست متطورة كفاية، وهي عبارة عن صواريخ محمولة على الكتف و500 بندقية m16 ومدافع هاون وقاذفات وقنابل.
وهذه الأسلحة تصلح للاقتتال الداخلي، ولا يمكنها أن تحارب في جرود عرسال الوعرة والمعقدة التضاريس، حيث الحاجة الى آليات تتوافق وطبيعة الجبال إضافة إلى طائرات للمشاركة الجوية بالعمليات الأرضية، ومروحيات لنقل السرايا العسكرية. إن ما وصل هو عبارة عن أسلحة خفيفة لا تصنع حروبا ولا مواجهات، مع دولة داعش التي استولت على مخازن سلاح الجيش العراقي ومنابع النفط.
مقابل هذا الحراك الأمني، بقي الجمود السياسي مخيما، رغم اقتراب موعد الجلسة الحادية عشرة لانتخاب رئيس الجمهورية الثلاثاء في الثاني من سبتمبر، والتي لا يبدو أنها ستكون أفضل من سابقاتها، في ظل الانشغال الإقليمي والدولي عن لبنان بالتطورات المتسارعة في بلدان الجوار العربي، إضافة الى المناحي الخطرة التي بدأت تذهب إليها الأحداث في أوكرانيا، مع إفساح حلف شمال الأطلسي لهذه الدولة الخائضة صراعا مباشرا مع روسيا، مقابل عرض روسيا بيع إيران مفاعلين نوويين جديدين إلى هذا الحلف، ما يفتح الأبواب واسعة للحرب الباردة، إن لم يكن أكثر.

